أنس الفيلالي/ بريس تطوان
صدر حديثا عن المجلة العربية كتاب جديد للباحث عبدالسلام الجعمّاطي بعنوان العرب واكتشاف أمريكا، وهو عمل بحثي يسعى إلى إعادة مساءلة السردية التاريخية الشائعة حول اكتشاف العالم الجديد، من خلال العودة إلى المصادر العربية الجغرافية والتاريخية والرحلية، وتحليل ما تضمنته من إشارات ومعارف تتعلق بالقارة الأمريكية قبل وبعد رحلات كريستوفر كولومبوس.
ينطلق المؤلف من فرضية مفادها أن المعرفة الجغرافية العربية في العصور الوسطى لم تكن منغلقة على المجال المعروف تقليديا، بل كانت منفتحة على آفاق أوسع، وهو ما تعكسه كتابات عدد من الجغرافيين والمؤرخين العرب الذين تحدثوا، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن أراض تقع وراء بحر الظلمات.
وفي هذا السياق، يناقش الكتاب حدود هذه المعرفة، وطبيعتها، وما إذا كانت تمثل مجرد تصورات نظرية أم إشارات إلى احتكاك فعلي بالعالم الجديد.
ويتوزع الكتاب على خمسة فصول رئيسية؛ يعالج الفصل الأول معرفة المؤرخين والجغرافيين العرب بالعالم الجديد قبل كولومبوس، محللا نصوصا مختارة في ضوء سياقها العلمي والزمني.
أما الفصل الثاني فيتوقف عند الحضور العربي الإسلامي في اكتشاف العالم الجديد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، مبرزا أدوارا غير مباشرة تمثلت في المعارف الملاحية والخرائط والتجارب البحرية التي استفاد منها الأوروبيون.
ويخصص الفصل الثالث لدراسة الإشارات الأولى لظهور اسم سكان أمريكا في المدونات العربية، في محاولة لفهم كيفية تمثل الآخر الجديد في الوعي العربي، بينما يتناول الفصل الرابع بوادر اهتمام دول الغرب الإسلامي باكتشاف أمريكا، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الملاحي.
ويختتم المتن بفصل خامس يناقش النزعة العجائبية في روايات اكتشاف أمريكا، وكيف تداخل الخيال بالواقع في توصيف العالم الجديد وسكانه.
ولا يكتفي المؤلف بسرد المعطيات، بل يعتمد مقاربة نقدية توازن بين النصوص العربية والمصادر الأوروبية، متجنبا الأحكام الجازمة أو القراءات الإيديولوجية، وساعيا إلى وضع الموضوع في إطاره التاريخي والعلمي الدقيق. ويختتم الكتاب بخاتمة تركيبية، إضافة إلى قائمة وافية بالمصادر والمراجع، وفهرس خاص بكتاب المجلة العربية.
ويعد كتاب العرب واكتشاف أمريكا إضافة مهمة إلى المكتبة العربية، لما يفتحه من نقاش علمي رصين حول تاريخ الاكتشافات الجغرافية، ولدعوته إلى إعادة قراءة هذا التاريخ من منظور تفاعلي حضاري، بعيدا عن المركزية الأحادية، وهو ما يجعله مرجعا مفيدا للباحثين والمهتمين بتاريخ الجغرافيا والفكر والاتصال بين الحضارات.

