قضية هاجر الريسوني ومظاهر الدولة الدينية بالمغرب - بريس تطوان

قضية هاجر الريسوني ومظاهر الدولة الدينية بالمغرب

عندما نشرت جريدة “بريس تطوان “الالكترونية مقالا موضوعيا وحياديا ،حول قضية اعتقال مواطنة فرنسية من طرف شرطة مدينة مراكش، رفقة رجل مغربي ومتابعتها بتهمة الزنا،وهي تهمة كما قلنا وشددنا على ذلك، انقرضت من مدونة القانون الجنائي الفرنسي، وجميع التشريعات الجنائية للدول المتمدنة ،شن علينا رهط من الكتبة المتأسلمين، تعاليق شديدة اللهجة تتهمنا بمحاولة اشاعة الفاحشة داخل أوساط المجتمع المسلم الطاهر.

إن دفاعنا عن المواطنة الفرنسية حينذاك، ضد عناصر شرطة مراكش كان مبدئيا وثابتا اقتناعا منا، أن مؤسسة الأمن ومؤسسة القضاء الحداثي والمؤسساتي،لا يعقل تحت أية ذريعة ،أن يتدخلا في القرن 21 ،في الحياة الخاصة للأفراد، بمنطق الصواب والخطأ ،والحلال والحرام، والقيام بدور”البصاصين ” كما كان يحدث في عهد دولة المماليك ،ومتابعة الأشخاص بتهم تعود لقوانين “حمو رابي” و”توت عنج أمون “.
وفي هذا الصدد، نرى في تقديرنا أن قضية الصحافية “هاجر الريسوني “تدخل في نفس “البراديغم ” ،أي أن معالجتها كان يجب أن تتم من خلال اجتثات كل مظاهر الطقوس الغيبية ،وجميع فصول القانون الجنائي التي تمتح من شجرة الميتافيزيقا، غير ذلك سيبقى المغاربة والمغربيات كلهم يدورون في دوامة الفضائح الجنسية ،وتهم الزنا ،ومصطلحات الإفك ،والوطء بشبهة ،وغيرها من المصطلحات الفقهية التي تجرنا ،كتيار جارف، بكل بشاعة وقبح ،وعنف مادي ورمزي ،نحو الخلف وعصور الظلام .

إن الدليل على وجاهة حجاجنا وعقلانيته ،هو رغم دخول الرجل القوي في الحزب الإسلامي المغربي،رئيس الحكومة السابق “عبد الإله بنكيران” على خط قضية الصحافية “هاجر الريسوني “،ورغم إعلان حالة النفير العام لدى التنظيم العالمي للإخوان المسلمين من أجل مؤازرة الصحافية المذكورة ،في واقعة “الإفك “الجديدة ،والتي للأسف تحدث هذه المرة في القرن الواحد والعشرين ،إلا أننا نعتبر أ كل هذه التدخلات التي تمتح من السلة المهترئة للموروث الديني ، لن تزيد طين هذه القضية الشائكة إلا بلة ،وألسنة لهيبها سعيرا .

والسبب في ذلك يرجع بكل بساطة ودون حاجة الى تمحيص ،واجترار لمصطلحات نظريات المؤامرة والاستهداف ،هو أن عقل المجتمع المغربي المبني على العقيدة والقبيلة والغنيمة ،لا ولن ينتج غير هاته الأمراض الاجتماعية والنفسية المعقدة،أمراض خطيرة ومدمرة لسيكولوجية الأفراد والجماعات .

ان التحليل الملموس للوقائع على الأرض ،يعطي الدليل القاطع أن ” المتأسلم” هو أكبر شخص عدو لنفسه في عصرنا الحالي ، شخص يمأزق نفسه بكلتا يديه،شخص يضع نفسه طواعية داخل كماشة الأحكام المسبقة ،التي تعود الى ما يقارب 15 قرنا للوراء ،وبناء عليه من الطبيعي ،أن تجني على نفسها وأهلها “براقش” ،كما كانت تقول العرب في الماضي السحيق .

إن الإسلاميين هم أول المناهضين للعلاقات الرضائية بين الرجل والمرأة ،كما يحدث حاليا بكل سلالة ومسؤولية واحترام، للأنا والأخر، في جميع الدول المتمدنة،التي تنظم هده العلاقات استنادا الى قوانين الدولة المدنية الحارسة لحقوق الجميع ، الدولة الضامنة لقدسية الحياة الخاصة للمواطنين والمواطنات ، وعليه فلا غرابة أن نجد هؤلاء الاسلاميين ،هم أول من يدفع الكلفة الباهظة لهذا التشدد “الدوغمائي ” ،والكبت الأعمى ، والانغلاق الفكري المتحجر .

إن المتأسلمين لا ينظرون الى مؤسسة الدولة إلا من منطق الدين والسيف ، والرجم والجلد بالسياط وتقطيع الأطراف من خلاف ،وهم من يعرقلون ويجهضون ،كل محاولة عقلانية تنويرية لجعل الدولة ،مجرد مؤسسة لا دين لها ، مؤسسة تضمن لكل مواطن ومواطنة حق ممارسة قناعاته الدينية داخل فضائه الخاص ،غير ذلك ستبقى الفضائح والتناقضات الأخلاقية والتهم المتخلفة ،تلاحق طيور الفكر الديني ،والتي على كل أشكالها ،ستقع في الفخ عاجلا أم آجلا .

ان قضية الصحافية “هاجر الريسوني ” كان يمكن حلها بتشريع صادر عن البرلمان ،وءلك بالقطع مع كل فصول القانون الجنائي المغلفة بمسوح دينية ،والتي تنتهك قدسية الحرية الشخصية للفرد وحقه في حماية حياته الخاصة من تلصص الأجهزة الأمنية ، والتشديد في جميع القواعد القانونية التي تنظم علاقات الأفراد داخل المجتمع على مدنية الدولة ،انطلاقا من مبدأ الدين لله والوطن للجميع .

بريس تطوان


شاهد أيضا