قصة "عاملة الفراولة" - بريس تطوان - أخبار تطوان

قصة “عاملة الفراولة”

ما زال الليل يرخي بسدوله على المدينة الغارقة في صمتها، الرياح تزمجر بغضب عارم، وقطرات المطر تنزل بخفة وسخاء كأنها فرت من أسر الغيوم لتعانق الثرى والشجر وتروي الطير والبشر. يتعالى صوت المؤذن بصوت شجي: الصلاة خير من النوم.
في الشارع الكبير تقف امرأة وحيدة بقوام نحيل وملامح جميلة تلبس حلبابا أزرقا قانيا، وتتدثر بوشاح صوفي متأكل يغطي رأسها وينسدل على ظهرها وكتفيها ليدفئها من برد الصباح القارس.
تنتظر قدوم سيارة الأجرة لتنقلها الى وسط المدينة حيث تشتغل في محل لبيع الرغائف مع سيدة أكبر منها سنا تحت امرة صاحب المحل . بدأ القلق يدب في نفسها من تأخرها عن عملها، وسماعها للتوبيخ من رب العمل و وعبارته الدائمة: اذا لم تلتزمي فهناك كثيرات من النساء اللواتي يرغبن في هذا العمل .تبتلع التأنيب بمرارة العلقم و تسبقها دموعها و قبل أن تنطق بكلمة دفاع عن نفسها تتدخل زميلتها قائلة :المسكينة تسكن بعيدة و لديها بنتين صغيرتين سامحها هذه المرة .
تبدأ سعيدة في عملها بهمة ونشاط تطلق العجينة، تنثر عليها السميد وتطويها بمهارة على شكل دوائر أو مربعات صغيرة. تفكر في طفلتيها اللتين تركتهما نائمتين بعدما أعدت لهما الإفطار لتتوجها الى المدرسة رفقة جارتها الطيبة التي تأخذهما الى المدرسة القريبة مع ابنتها.
لقد اكترت قبل أشهر بيتا صغيرا عبارة عن غرفة وحيدة مع مطبخ صغير وحمام أصغر في سطح منزل بالطابق الثالث.
تتذكر سعيدة حياتها الماضية في القرية، تسترجع شريطا أليما من الذكريات وتبتسم بشجن عندما تدرك أنها طوت صفحة من صفحات الماضي وبدأت حياة جديدة سمتها الصبر والكفاح. أهم شيء أنها أصبحت سيدة نفسها، مالكة زمام أمورها بعد زواج عسير عمر سبع سنوات خرجت منه منهكة الروح والجسد كأنها كانت في حرب ضروس وانتصرت فيها أخيرا.
تتذكر بأسى عميق كيف أرغمها زوج أمها على ترك الدراسة ليتم تزويجها قسرا بمباركة من أمها وأعمامها وكل عائلتها بكت كثيرا وتوسلت كثيرا أخبرتهم أنها لم يعد يفصلها عن الباكالوريا الا سنتين وأنها متفوقة في دراستها، لكنه صم اذانه وحكم رأيه وسارع للحصول على أوراق الزواج متعللا بكونها يتيمة وهو مبرر لتزويجها وهي قاصر.
رأت أحلامها تنكسر على صخور الواقع وهي التي كانت تحلم أن تكون محامية نجيبة تدافع عن المظلومين وتنتصر لقضايا النساء.
سيقت الى بيت الزوجية كما تساق الشاة الى ذبحها، كيف ستبدأ حياة تتمنى نهايتها قبل أن يبدأ عداد الزمن ؟؟؟كيف تغتصب حياتها علنا على وقع الطبول والزغاريد؟؟؟
كفكف الزمان دموعها، مسح بيديه على جراحها فبدأت ترضى بقدرها وتتعايش مع وضعها وكان لقدوم ابنتيها التوأم أثر البلسم على نفسها فقد رأت فيهما حياة جديدة تشع بالنور والأمل الا أن لسعات الفقر المتها، وهي ترى حاجتها وابنتيها لمصاريف كثيرة وزوجها يعمل يوما ويجلس أياما قي المقهى يلوك الأحاديث ويدخن الحشيش. طلبت منه أن يسمح لها بالعمل في حقول الفراولة فتفاجأت به يوافق دون تعليق ولا تعقيد.
كان العمل شاقا فقد كانت تصحو باكرا وتتكدس في الشاحنة مع نساء أخريات ويقطعون مسافة تزيد عن عشرين كيلومترا لتجد نفسها تجني ثمار الفراولة مقوسة الظهر طيلة اليوم تحت أشعة الشمس الحارقة.
كانت النسوة تتسلين بالأحاديث تارة وبالغناء تارة أخرى لتناسي معاناتهن اليومية في عمل يفتقد لشروط الكرامة الإنسانية أما سعيدة فقد كانت تفكر في ابنتيها اللتين تتركهما مع أمها، وتسبح في بحر من أحلام اليقظة وتتخيل كيف ستدبر مالها في شراء ما ينقص بنتيها، وكيف ستؤثث لهما غرفة وردية الألوان كما شاهدتها في المسلسل التركي.
شعرت بالفرح وهي تتسلم راتبها الأول رغم هزالته مقارنة مع الجهد الذي تبذله ،دخلت الى بيتها وبدأت تحكي لزوجها بحماس عن مشاريعها، وعن عزمها شراء أغراض للبيت وملابس للطفلتين. قاطعها قائلا: وماذا ستأكلين أنت وبناتك؟؟؟
أجابته بلطف: ستتكلف أنت بذلك، بينما أتكلف أنا بشراء أغراض للبيت وهكذا سنتعاون معا. بعد أخذ ورد أخذ ثلثي المبلغ ورمى ما تبقى على وجهها المصدوم.
تكررنفس المشهد لأشهر عديدة شعرت خلالها بالظلم و الذل فانتفضت في وجهه يوما :
لايمكن أن أقضي أطراف النهارفي شقاء لتنعم أنت بثلثي مالي وأنت نائم طوال اليوم .
لم تشعر الا بضرباته تهوي على جسدها، وبصراخ ابنتيها أمامها. حملتهما على عجل وتوجهت عند أمها التي نصحتها بالصبر وطلبت منها الرجوع الى بيتها من أجل ابنتيها. أما زوج أمها فقد جدجها بنظرة قاسية وقال لها: انهضي سأعيدك الى بيت زوجك لتعتذري منه عله يرضى عليك ويوافق على عودتك الى بيته بعد قلة أدبك معه .
عادت منكسرة الفؤاد الى حياتها العادية ، تكد من طلوع الفجر الى غروب الشمس. أدركت المسكينة أن لا بيت لها سوى بيتها، فأمها لن تستطيع ايوائها هي والبنتين في بيت زوجها مع أولادها الاخرين، ستصبر حتى يأتي الفرج …
ذات مساء أنهت عملها باكرا وعادت الى منزلها على حين غرة لتجد زوجها في غرفة نومها مع امرأة أخرى.
فهمت نظرات الشفقة التي كانت تراها في أعين جاراتها كلما عادت مساء ،وفهمت طلب أمها المتكرر لترك العمل و البقاء في البيت مع ابنتيها.
كانت حازمة في قرار الانفصال، وجدت في نفسها القوة على الإصرار على طلب الطلاق رغم تدخل كل العائلة التي طلبت منها الصبر واعتبار الأمر نزوة عابرة، إصرارها كان بمثابة انتقام لنفسها من كل سنوات عمرها التي ضيعتها في زواج مفروض.قالت لها أمها :اصبري انه قدرك .أصابت كلمة القدر هوى قويا في نفسها ،جعلتها تتذكر قول عمربن الخطاب : نفر من قدر الله الى قدر الله ،كانت ما زالت عالقة بذاكرتها من أيام الدراسة .ستفرهي أيضا من قدر الله الى قدر الله .كما فر الخليفة العادل من طاعون عمواس .
حملت ابنتيها وما تبقى من كرامتها وعنفوانها وقصدت عمتها في المدينة القريبة بحثت معها عن بيت للكراء وطلبت من صديقتها أن تجد لها عملا.لم تتشعر فضيلة الا برب عملها يكلمها بصوته الجهوري ويطلب منها عدم التأخر مساء لانه تلقى طلبات كثيرة من الزبائن .

أنهت سعيدة عملها للفترة الصباحية وتوجهت الى مدرسة ابنتيها لترافقهما الى المنزل، في الشارع الرئيسي للمدينة شاهدت أستاذتها السابقة لمادة الفلسفة ،ترددت في السلام عليها بعد كل هذه السنوات لكن حبها لأستاذتها دفعها لمناداتها والسلام عليها .
حكت لها باختصار عن مشوارها بعد انقطاعها عن الدراسة و أردفت بالقول :ليتني كنت أكثرقوة و تمسكا بدراستي .أجابتها أستاذتها :أنت لا تملكين الماضي لتغييره لكنك تملكين الحاضر وبامكانك تغييره .
افترقت عن أستاذتها وقد ضخت في نفسها الكثير من الأمل لتغيير واقعها البئيس ،نصحتها باكمال دراستها ،وأخبرتها عن افتتاح نواة جامعية بالمدينة وتركت لها رقم هاتفها لمساعدتها ان احتاجت للمساعدة . شعرت بالسعادة وهي تضم ابنتيها الى صدرها وتذهب معهما الى المنزل. انها اليوم تحمل الكثير من الأمنيات التي ستعمل على تحقيقها،انها لم تكمل بعد ربيعها الثاني و العشرين ، ستكمل دراستها وستحصل على الباكالوريا، و ستلتحق بالجامعة ، ستدرس ستعمل، ستكافح، ستصبر، ستقاوم السقوط في بئر اليأس والاستسلام. من أجل نفسها ومن أجل ابنتيها ستحفر الصخر طلبا لحياة أفضل تستحقها مؤمنة أن الفقر ليس قدرا.


شاهد أيضا