قراءة في كتاب ” حرب تطوان سنة 1860 وميلاد المسرح بالمغرب “

 

  عبد العزيز السعود/ بريس تطوان

 

  لا أنكر أن قراءتي لهذا العمل التوثيقي للمسرح والمتميز بصفتي مؤرخا تتستر خلف عملية التأريخ للمسرح في المغرب وهو الغرض الذي سعى له هذا العمل في كتاب أو بالأحرى في كتابين معا واللذين يشملهما العنوان المذكور، وهو تأليف جديد للكاتب والمؤلف المسرحي والأديب الأستاذ رضوان احدادو الغني عن التعريف.

  ينطلق المؤلف من طرح سؤال مثير للغاية وهو هل عرف المغاربة المسرح قبل احتكاكهم بالآخر؟ ويعني المحتل الأجنبي، ويقول إن جل الذين وثقوا للمسرح المغربي افترضوا أن انطلاقته لم تتم قبل وقوع الحماية على البلاد لكنه من جانب آخر يرى أن بداية الإدراك والوعي بالمسرح تفرض عدم رفض ما كان موجودا وقائما في المغرب قبل وقوع هذه الحماية الأجنبية، وحجته في ذلك وجود قاعات للعروض المسرحية في كل من طنجة وتطوان ويتساءل ألا تكون هذه كافية لإثارة الانتباه لشيء اسمه المسرح؟.

  ويعود المؤلف إلى طرح سؤال البداية بصيغة أكثر تحديدا وهي كيف وصلنا المسرح ومن أين أتى؟. ويقول إن جل الباحثين والدارسين بتاريخ المسرح في المغرب يذهبون إلى اعتبار سنة 1923 سنة مفصلية لتوثيق الاتصال بالمسرح على إثر زيارة فرقة محمد عزالدين المصري للمغرب.

  وإذن فالجواب على كل ذلك هو الذي قاد كاتبنا المسرحي إلى القيام ببحث شاق ومضن ليصل من خلاله ويستنتج أن المغاربة عرفوا المسرح المفتوح ومارسوه قبل فترة الحماية الأجنبية. ويخلص إلى أن ما يصدمنا ونحن نقرأ تاريخ مسرحنا “كثرة المسلمات غير المقبولة الأمر الذي يفجر أسئلة مقلقة ومثيرة تظل معلقة لأن الأجوبة مؤجلة، وبالتالي فإننا في أمس الحاجة إلى إعادة ترتيب حقيقته الضائعة أو المغيبة وتبويبها سعيا للوصول إلى تاريخ مسرحي مغربي حقيقي”.

  ويتحدث الأستاذ احدادو عن البداية المسكوت عنها ويقصد المسرح البربري الناطق والراقص والغنائي السابق حتى على المسرح الروماني في شمال أفريقيا في زعمه، وإن الجزم بهذه المقولة في نظرنا يحتاج إلى كثير من النقاش بل فيها مجازفة إذ المعروف أن المغرب أو موريطانيا الطنجية على الأصح شهد أول مسارح في الفترة الرومانية وحتى القرطاجية في كل من ليكسوس وزيليش حيث كانت تعرض مسرحيات ليست بربرية كما يفترض ذات طابع ديني إلى جانب عروض موسيقية. وبمقابل هذا الافتراض يورد المؤلف معلومة في غاية الأهمية عن وجود أقدم عمل مسرحي في بلادنا نقلا عن مصدر إسباني لا يخلو من ثقة وهو خيل بن أمية الذي قال: “إنه في سنة 1670 نزح إلى تطوان من غرناطة مجموعة من الموريسكيين كان من بينهم تلميذ غير مباشر للكاتب المسرحي لوبي دي بيغا وأسس مسرحا لتقديم عروض فكاهية..” ويعلق احدادو أنه تأسيسا على ذلك يكون المغاربة وأهل تطوان أول من شاهد وعرف المسرح بمفهومه الغربي قبل غيرهم لكنه يشدد على غياب وثائق الإثبات وبالتالي يتحفظ في الأمر.

  ويذكر أن أول بناية مسرحية شيدت بالمغرب يعود تاريخها إلى عام 1860 وكانت على إثر احتلال القوات الإسبانية لمدينة تطوان بعد الحرب والذي دام سنتين إذ تم بناء أول مسرح بالخشب دعي مسرح إيسابل الثانية وقدمت فيه عروض مسرحية مفتوحة في وجه الجمهور عموما. ويضيف المؤلف ما أورده الراهب الإسباني أنطونيو راموس إسبينوسا في كتابه الصادر عام 1903 بسبتة أنه أنشأ فرقة مسرحية شارك فيها إلى جانب الإسبان مغاربة من مدشر البيوت بقبيلة أنجرة وأنها كانت تعرض مسرحياتها بالإسبانية وبالدارجة المغربية. والخلاصة التي استنتجها احدادو من المعلومتين هي أنه مما لا يدع مجالا للشك أن المغاربة عرفوا المسرح بمفهومه الحديث ومارسوه على أرضهم قبل سنة 1923.

  وينتقل المؤلف للحديث عن أسباب احتلال الإسبان لمدينة تطوان سنة 1860 وذلك بإيجاز وأشار إلى بعض الأصوات التي اعتبرت الحرب ضد المغرب غير مبررة مستدلا بكتاب عسكري وسياسي تقدمي كان عضوا في مجموعة السياسيين التنويريين في القرن التاسع عشر وهو بكطوريانو دي أميير وعنوانه Juicio Critico de la guerra de Africa. لقد كانت عواقب هذه الحرب على المغرب جد خطيرة: انهزام المخزن أمام قوة أوربية ثانوية وفرض غرامة حربية ثقيلة أضعفت المخزن وظهور الحماية الفردية، وقد تحدث المؤرخ الناصري عن ذلك فقال: ” ووقعة تطاوين هذه هي التي أزالت حجاب الهيبة عن بلاد المغرب واستطال النصارى بها وانكسر المسلمون انكسارا لم يعهد لهم مثله وكثرت الحمايات ونشأ عن ذلك ضرر كبير..”. لكن في نظر المؤلف احدادو فإن هذا الاحتلال للمدينة أفرز بعض المظاهر الحضارية والتي في نظرنا لم تدم طويلا بمعنى أنها دخلت مع الاحتلال وخرجت معه ومن ذلك أول مطبعة وأول جريدة وأول مسرح بمفهومه الحديث عرفتهم المدينة قبل غيرها من مدن البلاد.

  وينتقل المؤلف كذلك وبشكل موفق لذكر المصادر التي اعتمدها في دراسته عن نشأة المسرح في تطوان بل وفي المغرب عموما، ففي غياب المصادر العربية المحلية قدم لنا بالمقابل مجموعة من المنشورات والمقالات بلا حصر نشرها كتاب إسبان عاش جلهم في منطقة الحماية الإسبانية وقد ركز بشكل خاص على صحيفة El Noticiero de Tetuán (مخبر تطوان) باعتبارها المصدر الرئيسي الذي اعتمدته كل الكتابات عن أخبار ذلك المسرح. ويطلعنا على ظروف بناء المسرح الذي شيده المهندس الإسباني لوبث كمارا بمادة الخشب وهنا يتساءل الكاتب لماذا من الخشب؟ وهل كان ذلك إراديا أم اضطراريا؟ ويرى في الجواب الذي قدمته الكاتبة الإسبانية دورا بكايكوا بكون بقاء الإسبان في تطوان كان مؤقتا وعابرا ومرهونا بأداء الغرامة الحربية غير مقنع، لكننا بصفة المؤرخ نعده مقنعا تماما ومعارضة المؤلف لهذا الرأي تستند إلى بعض المعطيات والإجراءات التي اتخذتها السلطات العسكرية الإسبانية والتي توحي بأن الاحتلال لم يكن مؤقتا وإنما من أجل البقاء. وهذا الرأي قد يضعه في صورة مؤرخ بيد أن المؤرخ عليه أن ينظر إلى الأمر من مختلف جوانبه السياسية والعسكرية والاقتصادية قد يطول شرحها هنا ثم إن معاهدة الصلح المبرمة في مارس 1860 لم تتم بين عشية وضحاها فقد سبقتها ممهدات بين أخذ ورد فضلا عن موقف إنكلترا الحريص على امتيازاتها بعد توقيع معاهدة سنة 1856 مع المغرب.

  لقد استخلص أ. احدادو من جريدة “مخبر تطوان” كثيرا من المعلومات التي خصت النشاط المسرحي في تطوان إبان الفترة الزمنية التي أمضتها قوات الاحتلال الإسباني في المدينة وهي معلومات مفيدة من النواحي التقنية والفنية وطبيعة العروض والجمهور. ويتساءل عن تركيبة هذا الجمهور وكذلك عن مدى استفادة المغاربة من وجود هذا المسرح فوق أرضهم؟ وتفيد الجريدة المذكورة بأن معظم الجمهور المشاهد كان يتشكل من العنصر العسكري بالأساس ثم العنصر المدني الأجنبي وهو إسباني في غالبيته وأنا العنصر الثالث فشكله اليهود المغاربة الذين كانوا أول من استقبل قوات الاحتلال وهللوا لدخولها إلى المدينة [سفارديم/ميغوراشيم]، وقد حاول المؤلف البحث عن العنصر المسلم بإحالتنا على الجزائريين المهاجرين الذين ظنهم من ضمنه أو أنهم سبق أن شاهدوا المسرح أو سمعوا عنه، وهذا الزعم يعيدنا إلى طرح السؤال البدائي [الكورأوغلي/ القهوجي، المقفلجي، الخزنادجي..]ومن الصائب أن يكون بعض أعيان المدينة من المسلمين وخاصة الذين تعاملوا مع قوات الاحتلال والمقربين منها قد حضروا العروض المسرحية وقد ذكر بعضهم المؤلف. وحتى يضعنا في الصورة بخصوص مسرح إيسابل الثانية فإنه قدم للقارئ ترجمة جملة من نصوص قصاصات بعض الصحف الإسبانية المعاصرة التي تحدثت عن أنشطة المسرح المذكور.

  وننتقل إلى الجزء الثاني من هذا العمل الهام في صورة كتاب ثان تحت عنوان: حرب تطوان في المسرح الإسباني. فينطلق المؤلف في استهلاله من أن المسرح في أصله صراع مع الذات ومع الآخر وأن الحرب وجه من وجوه ذلك الصراع والغاية من ذلك إبراز كيف استفاد المسرح من الحرب كمادة أساسية، فحرب تطوان لعام 1860 أو حرب الستين كما سماها البعض أو حرب أفريقيا كما دعاها الإسبان كانت مصدر إلهام وإبداع لدن عشرات الشعراء والروائيين والمسرحيين الذين أنتجوا أعمالا أثرت الأدب الإسباني ولم يوازيها في ذلك في نظرنا إلا الأعمال الإبداعية التي صدرت بعد سقوط غرناطة أو حرب البشرات ومحنة الموريسكيين. ويشير المؤلف إلى التأثير الذي أحدثه كتاب الصحفي الذي رافق الحملة العسكرية بدرو أنطونيو دي ألاركون بعنوان “يوميات شاهد حرب أفريقيا” [ترجمته] في الكتابة الدرامية الإسبانية، ويتساءل إلى أي حد ساهمت الأعمال الإبداعية عن تلك الحرب في إثراء الأدب والفن الإسبانيين والمسرح بالخصوص؟ وهل استطاعت أن تخلد على غرار الإبداع العالمي الإنساني الأدب الإسباني؟. فيقول في هذا الصدد: إن هذه المسرحيات التي أعدت على عجل يصعب أن تكون قد استجابت لشروط العرض المسرحي الكامل بالرغم من نجاحها الجماهيري. وحسب غرسيا فيغيراس في كتابه “ذكريات مئوية لحرب رومانسية” فإن المسرح الإسباني في تلك الفترة من القرن التاسع عشر كان في مجمله خاليا من الإبداع لأن أصحاب القاعات كانوا هم أيضا يرغبون في الأعمال الظرفية.

  ويتحدث مؤلفنا عن نقطة في غاية الأهمية والخطورة وهي الرقابة على المسرح في زمن الحرب والتي كانت موكولة للمؤسسة العسكرية ومن ورائها الكنيسة الكاثوليكية فيرى أن الرقابة المسرحية ثقافة إسبانية كانت موجودة دائما ويضيف أنه كانت هناك حساسيات مفرطة تجاه العروض المسرحية التي تناولت موضوع حرب تطوان وبأن قلم الرقيب لم يكتف بالتشطيب على العبارات والجمل بل إنه يتدخل عمليا في الصياغة وقدم كمثال من بين أمثلة أخرى مسرحية La Toma de Tetuán (الاستيلاء على تطوان) لأنطونيو دي ثافرا. ويذهب الكاتب العسكري غرسيا فيغيراس إلى أن كل مراحل الحملة العسكرية موثقة بكتابات مسرحية وأن عدد المسرحيات فاق المئات، ويرى أ. احدادو أن عنوان احتلال تطوان أو حرب أفريقيا يبقى من أكثر العناوين المسرحية رواجا واستقطابا للجمهور وأن هناك اختلالا عندما نقرأ عن العرض مجردا من اسم المؤلف وساق في ذلك عدة أمثلة.

  ويخصص المؤلف وقفة لأربعة أعمال مسرحية إسبانية عن حرب تطوان وقفة كما قال غير نقدية والغرض منها الاقتراب ما أمكن من إدراك اختيارات وتوجهات المسرح الظرفي الإسباني وكلها تحمل عنوانا واحدا وهو الاستيلاء على تطوان الأمر الذي يربك القارئ وقد قدم تعريفا شكليا لها.

  وكما ينقلنا في الأخير إلى الحديث عن صورة المغربي المسلم كما عكستها مسرحيات تلك الحرب وإلى أي حد كانت الصورة واقعية، فنراه يعيد السؤال أيضا بصيغة أخرى: كيف تشكلت صورة المغربي المسلم في مخيال الدراما الظرفية وأيضا كيف قدمها لنا المسرح الإسباني؟ وثم كيف تشكلت لديهم صورة ذلك المورو كما يقول المؤلف معتبرا اللفظ نعتا قدحيا يطلق على الإنسان المغربي ويضيف بأن اللفظ قديم في المتن الإسباني، وأقول أجل ولكن كلمة مورو في الأصل تعني المسلم وليس المغربي فقط. [شرح] لقد تعددت الأوصاف القدحية وتناسلت الصور المشينة التي استهدفت المسلم المغربي بينما اتخذت النعوت شكلا خاصا فيه كثير من التعاطف مع اليهودي المغربي. ولم تختلف صورة المدينة عن صورة ساكنها المسلم فهي صورة نمطية صنعتها المؤسسة العسكرية والإعلام الحربي بعيدة عن الواقع. ويخلص أ. احدادو إلى أن أغلب المسرحيات ألفت وعرضت وطبعت في فترة زمنية متقاربة (59ـ61) وقد وظف أصحابها العبارات النمطية الجاهزة والمهينة في حق المدينة وساكنيها من المسلمين، وأن أغلب المؤلفين ركبوا موجة المسرح من دون احترافية إطلاقا فطغى الكم على حساب القيمة الإبداعية وتم الاحتماء بالموسيقى والرقص والغناء والإنشاد الشعري في آخر العرض، وكما أنه طغى على الحوار احتقار المسلم والمدينة والطعن في القيم الروحية والثقافية وبالمقابل تم التغني بالانتصار وتمجيد العسكر وصناعة البطولات والملاحم وغير ذلك.

 

 

 

 


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.