قبل محاكمة الصامتين…

بريس تطوان

في زمن أصبحت فيه المواقف تُقاس بسرعة التفاعل، أصبح الصمت يُقرأ أحياناً باعتباره غياباً، وأصبح الظهور الإعلامي يُفهم أحياناً باعتباره دليلاً على الحضور والمسؤولية.

لكن السياسة، كما الحياة، أكثر تعقيدا من ذلك.

فليست كل المواقف تُعلن في اللحظة نفسها، وليست كل المسؤوليات تُمارس أمام الكاميرات، هناك فرق بين من يغيب عن القضايا، ومن يختار التريث في لحظة حساسة، كما أن هناك فرقاً بين من يتحدث لإضافة شيء إلى النقاش، ومن يتحدث فقط لأنه وجد فرصة للظهور.

حادثة 30 يوليوز بسبتة لم تكن حدثا سياسيا عاديا، بل كانت مأساة إنسانية خلفت ضحايا وألماً لدى أسرهم ومحيطهم، وفي مثل هذه اللحظات، يصبح احترام حجم الفاجعة وحرمة الحداد جزءاً من المسؤولية، قبل الانتقال إلى النقاشات السياسية وتبادل الاتهامات.

بعد الحادثة، برز نقاش حول غياب عدد من البرلمانيين والمنتخبين عن الواجهة، واعتبر البعض أن عدم إصدار مواقف أو تصريحات يمثل تقصيراً أو تهرباً من المسؤولية ، ولا شك أن مساءلة الفاعلين العموميين حول قضايا تمس حياة المواطنين ومستقبل المناطق التي يمثلونها أمر مشروع وضروري.

لكن السؤال الذي يجب طرحه أيضاً هو: هل يمكن اختزال موقف أي فاعل سياسي في ما قاله أو لم يقله خلال أيام قليلة بعد وقوع مأساة؟

فالملفات الكبرى لا تبدأ عند لحظة انتشارها إعلامياً، ولا تنتهي عند أول تصريح بشأنها، بعضها يكون موضوع نقاش ومرافعة قبل أن يتحول إلى قضية رأي عام.

ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى ما قيل قبل لحظة الأزمة، لأن بعض المواقف لا تُقرأ فقط من خلال ردود الفعل الآنية، بل أيضاً من خلال النقاشات التي سبقتها.

وفي هذا السياق، تقدم إحدى حلقات بودكاست “Touil Talks” ، البرنامج الحواري المغربي الذي يقدمه وينتجه أسامة الطويل، مثالاً مهماً على ذلك، فقد خصصت الحلقة جزءاً من نقاشها لملف إغلاق معبر سبتة وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية على تطوان والمناطق المجاورة، من تطوان ومرتيل والمضيق إلى الفنيدق.

خلال الحوار، طرح المحاور أسامة الطويل مع نائب رئيس مجلس جماعه تطوان وعضو اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية السيد زهير الركاني انعكاسات إغلاق المعبر على شريحة واسعة من السكان الذين كانوا يعتمدون على ما يسمى بالتهريب المعيشي كمصدر للعيش، وكيف أدى توقف هذا النشاط إلى أزمة اقتصادية مستمرة بالنسبة لفئات واسعة كانت مرتبطة باقتصاد الحدود.

كما تطرق النقاش إلى محدودية البدائل الحالية، رغم وجود مشاريع ومناطق اقتصادية وصناعية تهدف إلى خلق فرص للشغل، وإلى الحاجة إلى رؤية تنموية أكثر شمولاً لا تجعل المنطقة رهينة للاقتصاد الموسمي أو للأنشطة المرتبطة بالحدود.

وأشار الركاني أيضاً إلى مسألة الاختصاصات الترابية المرتبطة بالملف، موضحاً أن معبر سبتة يدخل ضمن المجال الترابي لعمالة المضيق-الفنيدق، بينما تنتمي جماعة تطوان إلى إقليم تطوان، وهو ما يعكس بدوره تعقيد المسؤوليات المرتبطة بهذا الملف وتشعب المتدخلين فيه.

هذه المعطيات لا تعني أن كل الانتقادات الموجهة للمنتخبين غير صحيحة، ولا تعني أن النقاش حول المسؤوليات يجب أن يتوقف، فالمواطن من حقه أن يسأل عن الحصيلة، وعن الحلول، وعن مدى قدرة المؤسسات والمنتخبين على مواجهة الأزمات التي تمس حياته اليومية.

لكنها تذكرنا في المقابل بأن تقييم المواقف يحتاج إلى أكثر من صورة أو تصريح أو لحظة عابرة.

فقد يبدو شخص غائباً لأنه لم يختر توقيتاً معيناً للظهور، بينما يكون قد ناقش الملف في سياقات أخرى، وقد يبدو شخص آخر حاضراً بقوة لأنه كان الأسرع إلى التعليق، دون أن يكون ذلك وحده دليلاً على امتلاكه رؤية أو حلولاً.

المشكلة ليست في انتقاد السياسيين، بل في اعتماد معيار واحد للحكم عليهم: معيار الحضور الإعلامي.

فالسياسة ليست فقط القدرة على الكلام، بل القدرة أيضاً على بناء المواقف، ومتابعة الملفات، وتحويل النقاش إلى حلول، كما أن المسؤولية ليست فقط في الظهور عند وقوع الأزمة، بل في العمل قبلها وبعدها.

لقد أظهرت هذه الواقعة أن النقاش العمومي يحتاج إلى قدر أكبر من الإنصاف، فاحترام الحداد لا يجب أن يُفسر دائماً على أنه غياب، كما أن الكلام في لحظة حساسة لا يجب أن يُعتبر تلقائياً دليلاً على المسؤولية.

هناك وقت للحداد، ووقت للنقاش، ووقت للمحاسبة، وكل واحد من هذه الأزمنة له شروطه وأخلاقياته.

وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من تحدث؟ ومن صمت؟

بل: من كان حاضراً في القضايا قبل أن تصبح عناوين؟ ومن قدم أفكاراً وحلولاً تتجاوز لحظة الجدل؟

لأن المواطن لا يحتاج فقط إلى من يرفع صوته عند وقوع الأزمة، بل يحتاج أكثر إلى من يشتغل على أسبابها قبل أن تتحول إلى مأساة.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.