في أفق اعتماد مقاربة مغربية شاملة ومستدامة للحد من الهجرة غير النظامية

بريس تطوان

يرى عادل بنونة، الفاعل السياسي والنقابي، أن الهجرة من المغرب نحو أوروبا لم تعد ظاهرة يمكن اختزالها في مراقبة الحدود وتشديد الإجراءات الأمنية، كما لا يمكن تفسيرها فقط بالفقر، معتبرا أنها ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ومجالية وسياسية وحقوقية، فضلا عن تأثير تحولات سوق العمل الأوروبية والفوارق التنموية بين ضفتي المتوسط وتطلعات الشباب إلى مستقبل أفضل.

ويؤكد بنونة أن العامل الاقتصادي يظل من أبرز دوافع الهجرة عبر طريق غرب المتوسط، مشيرا إلى أن معطيات المنظمة الدولية للهجرة المتعلقة بسنة 2025 أظهرت أن الأسباب الاقتصادية كانت من بين أهم الدوافع المصرح بها لدى الأشخاص الذين شملتهم عمليات الرصد، إلى جانب تسجيل 18,987 حالة وصول غير نظامي إلى إسبانيا عبر طريق غرب المتوسط، مقابل 484 حالة وفاة.

وبحسب عادل بنونة، فإن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يقتصر على كيفية منع الهجرة غير النظامية، وإنما يجب أن ينصب على كيفية بناء شروط اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية داخل المغرب تجعل الهجرة اختيارا وليس اضطرارا، مع توفير مسارات قانونية وآمنة للراغبين في الهجرة.

ويعتبر الفاعل السياسي والنقابي أن هذه المقاربة تنسجم مع فلسفة دستور 2011، الذي جعل المغرب دولة ديمقراطية واجتماعية تقوم على الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية والمساواة، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.

من المقاربة الأمنية إلى مقاربة متعددة الأبعاد

ويشدد بنونة على أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، لا تستطيع بمفردها معالجة جذور الظاهرة.

فبحسب تصوره، يمكن تشديد مراقبة الحدود وتفكيك الشبكات الإجرامية وإحباط محاولات العبور غير النظامي، لكن هذه الإجراءات لن تلغي الأسباب التي تدفع الإنسان إلى التفكير في الرحيل.

وفي هذا السياق، يدعو عادل بنونة إلى التمييز بين ثلاثة ملفات، أولها الهجرة النظامية باعتبارها حقاً تنظمه القوانين والاتفاقيات، وثانيها الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرة تحتاج إلى الوقاية والتنظيم مع احترام الكرامة والحقوق الأساسية، وثالثها الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين باعتبارهما نشاطين إجراميين يستوجبان تفكيك الشبكات المتورطة فيهما وملاحقة المستفيدين الحقيقيين.

ويعتبر أن هذا التمييز ضروري حتى لا يتحول المهاجر نفسه إلى “خصم أمني”، في الوقت الذي ينبغي أن يتركز فيه الجهد الأساسي على الشبكات التي تستغل هشاشة الأشخاص وتحول تطلعاتهم إلى مصدر للربح غير المشروع.

كما يرى بنونة أن التعاون المغربي الأوروبي في مجال الهجرة ينبغي أن يتجاوز الجانب الأمني، ليشمل دعم الفرص الاقتصادية، وتعزيز التنقل المهني، وتطوير مسارات الهجرة القانونية، وربط تدبير الهجرة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والترابية.

الدستور والعدالة الاجتماعية في صلب معالجة الهجرة

ويؤكد عادل بنونة أن معالجة الهجرة لا يمكن أن تكون منفصلة عن الدستور المغربي، خاصة أن الفصل الأول يكرس مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما يضمن الفصل 19 المساواة في الحقوق والحريات، إلى جانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي ينص عليها الدستور.

ويرى أن معالجة أسباب الهجرة تبدأ، جزئياً، من ضمان الحقوق داخل المغرب، موضحاً أن شعور المواطن بوجود فرص عادلة في التعليم والتشغيل والاستثمار والاستفادة من الخدمات العمومية، إلى جانب تكافؤ الفرص وتطبيق القانون على الجميع، يمكن أن يساهم في تعزيز الثقة في المستقبل.

وبحسب بنونة، فإن مكافحة الهجرة غير النظامية تبدأ أيضاً من بناء دولة القانون وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية، لأن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينبغي أن يظل مجرد شعار دستوري، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة فعلية وسياسة عمومية تساهم في الحد من أسباب الإحباط الاجتماعي.

محاربة الفساد جزء من معالجة دوافع الهجرة

ويعتبر عادل بنونة أن محاربة الفساد لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ملفا منفصلا عن قضية الهجرة، لأن انتشار الوساطة والمحسوبية وتضارب المصالح وغياب تكافؤ الفرص يمكن أن يعزز لدى فئات من الشباب الشعور بانسداد الأفق.

ويشرح أن الشاب الذي يجد صعوبة في الحصول على وظيفة أو إطلاق مشروع أو الاستفادة من خدمة عمومية بسبب الوساطة أو المحسوبية قد يفقد الثقة في إمكانية بناء مستقبله داخل بلده، وهو ما يمكن أن يتحول إلى أحد دوافع التفكير في الهجرة.

لذلك، يدعو بنونة إلى جعل محاربة الفساد وتعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص جزءاً من استراتيجية وطنية متكاملة للحد من دوافع الهجرة، إلى جانب الاستثمار في التعليم والتكوين المهني، وخلق فرص الشغل، ودعم الشباب والمقاولات، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

ويخلص عادل بنونة إلى أن معالجة ظاهرة الهجرة تتطلب الانتقال من سؤال “كيف نمنع الناس من الرحيل؟” إلى سؤال أكثر عمقاً يتمثل في: كيف نبني داخل المغرب شروطاً تجعل البقاء اختياراً ممكناً، وتوفر في الوقت نفسه الهجرة النظامية كخيار قانوني وآمن لمن يرغب فيها؟

ومن هذا المنظور، يؤكد بنونة أن الأمن وحده لا يكفي لمعالجة الظاهرة، كما أن التنمية والقوانين كل واحد منها بشكل منفرد لا يمكنه تقديم الحل الكامل، داعياً إلى مقاربة شاملة تجمع بين العدالة الاجتماعية والحكامة والتنمية وحماية الحقوق ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر وتوسيع مسارات الهجرة القانونية.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.