فهارس علماء تطوان… محمد بن محمد المرير - بريس تطوان - أخبار تطوان

فهارس علماء تطوان… محمد بن محمد المرير

بريس تطوان

تصوفه:

أما تصوفه فكان تصوفا سنيا بعيدا عن البدع والخرافات، وهو: “التصوف الذي نقرأ مبادئه وآدابه في كتب علماء التصوف الذي يصفونه بأنه لب الشريعة”، وكتابه عن القطب الكبير مولاي عبد السلام ابن مشيش يعطي صورة واضحة للروح الصوفية الإسلامية التي كان يتحلى بها شيخنا، لأنه كان من العلماء السلفيين الذين ينكرون البدع والخرافات والأضاليل. قال العلامة أحمد الرهوني في وصف تلميذه الفقيه محمد المرير: “كانت بدايته تدل على هايته، ملازما لما يعنيه، تاركا لما لا يعنيه، معتنيا بدروسه وأمور ديانته، سالكا مسلك أهل الحياء والمروءة.. مطوي القلب على التقوى والاستقامة”.

لكنه لم يسلك أي طريقة معينة، ولم يتتلمذ لشيخ يقول في ذلك: “لم أتقيد الآن بطريقة من هذه الطرق، وإن كنت أسالم الجميع، وأعتقد أن طريق الإمام الجنيد وأتباعه من أهل الرسالة القشيرية ورجال الحلية، وأمثالهم على حق وهدى من رهم… وجعلت وجهي إلى التلقي من الكتاب والسنة، وتوكفا لاقتداء والهداية، من كتب أهل الولاية، الذين لهم البشرى، في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى. وجعلت هجيراي من كتب أهل التصوف، الرسالة القشيرية، وعوارف المعارف للسهر وردي، وإحياء الغزالي، والفتوحات لمحي الدين، واتخذتها بمنزلة شيخي”.

خاتمة:

يعد كتاب النعيم المقيم أبرز مؤلفات العالم محمد المرير، وهو ديوان علم ومنجم معرفة، وتحفة من التحف العلمية. وهو حجة علماء أهل المغرب على علماء أهل المشرق في القرن الرابع عشر الهجري. إذا استحضرنا هذا، يمكن أن نفهم كتاب النعيم المقيم. هذا العالم الجليل يعتبر حجة المذهب المالكي مطلع على فروعه ودقائقه ونوازله وأحكامه انطلاقا من هذا الكتاب ومن عشرات الكتب التي ألفها على امتداد حياته التسعينية، فكان- كما يقول عنه الفقيه الرهوني-:” فإن الله قد منحه من ذلك ما حرم منه عددا من الأعلام”.

لقد كان رحمه الله من الفقهاء القلائل الذين درسوا الفقه دراسة عميقة واستوعبوا نوازله وأحكامه، وألحقوا أصوله بفروعه حتى تمكن من حاسة فقهية فاق بها أقرانه من جهابذة الفقه المعاصرين، لما أوتي من ذهن ثاقب واطلاع واسع، وعقلية متجددة، الشيء الذي أهله لأن يكون المرجع في القضايا الشائكة المستعصية والتي كان يتنزل لها ويحل مغلقاتها فالرجل “من أعيان هذا العصر ونبهائهم ومحققيهم”( ). وأحد أعلام العلم المتين والأدب الرصين، وجهبذا من جهابذته النحارير، وعمودا من أعمدته البارزة، ضرب بسهم وافر في حلبة المعرفة.

كان فقيهنا ذكيا لبيبا حاد الذهن، أبي النفس عالي الهمة، قليل الاختلاط بالناس، متميزا بالتؤدة والوقار وحسن السمت، والمحافظة على رسوم المنصب بالبعد عن العامة، وملازمة الاستقامة، والاشتغال بالعلم والبعد عن السفاسف، والحرص على الاطلاع على أحوال العصر والتقلبات السياسية والاجتماعية. لقد زاول الفقيه المرير القضاء مدة تزيد عن  الأربعين عاما، وبرز على الجميع كقاض أريب ألمعي، واع متفتح مرن، غير متحجر ولا فقيه جامد.. وقاض نزيه ورع مبتعد عن الشبهات، ومتبحر في مختلف العلوم شديد الاطلاع.

وهو على العموم من طبقة المحافظين فهو بعيد عن الاتجاهات العصرية في العوائد والأخلاق، لا يميل إلى الآراء الحديثة والأفكار المحددة إلا إذا كانت واضحة الدلالة ثابتة الفائدة بعيدة الريبة، ولكنه مع ذلك عالم متنور يطالع الصحف والمجلات والمؤلفات الحديثة.. كما أنه غير غافل عن تتبع سير النهضة الحديثة ومعرفة اتجاهاتها. وهو من العلماء الذين يظهرون غيرة على سمعة السلف الصالح من العلماء والصلحاء. وهو ما أكده الأستاذ عبد الغفور الناصر بقوله:” أمكن له أن يكون حجة ومرجعا في كثير من العلوم على اختلافها وتنوعها، حيث كانت له مشاركة قل نظيرها بين أقرانه من الشيوخ الأجلة رحمهم الله. كما كان شغوفا بالدراسات الحديثة القانونية والاجتماعية، الشيء الذي أهله لأن يكون موسوعة علمية تتحرك”.

وقد عرف عنه ولعه بالكتب وانقطاعه للمطالعة في شتى المجالات وتمكنه من الأدب والتاريخ وقرض الشعر وقد اكتسبها بلوعه الكبير بالقراءة منذ وقت مبكر كما ذكر ذلك في فهرسته ومنها مقامات الحريري، مما أكسبه مرونة في الاسلوب وشجعه على نظم الشعر والفهرسة حافلة بالعديد من أشعاره، منها قصيدة مدح بها مدينة تطوان وكذلك قصيدة وجه الروضة النبوية، مع الموشح في الإسراء والمعراج، وقصيدة بهجة الخواطر وقرة الأحداق، في الوصايا الدينية والدنيوية ومحاسن الأخلاق وهي وصايا دينية ودنيوية وغير ذلك إلى جانب عدة أبيات وهي مقصورة.

كما تبرز هذه الفهرسة الأجواء العلمية التي درس فيها المؤلف، فخلال الحديث عن الشيوخ وماجناه من الفوائد على أيديهم، يجري ذكر المصنفات التي يدرسها هؤلاء الشيوخ، والطريقة التي ينهجها كل عالم في شرحه، والشروح والحواشي التي يستعين بها كل شيخ لفك مقفل هذه المادة أو مشكل هذه المادة.

والملاحظ أن مواد الدراسة التي تستعمل في حلقات هؤلاء الشيوخ في القرن العشرين، هي نفسها التي ظلت حاضرة في درس الشيوخ في العصور السابقة، وهي الحديث والتفسير، والفقه والأصول واللغة والنحو والعقائد، والأدب والتصوف. وهي مواد ظلت المجالس العلمية المغربية تعتمد عليها وتعتبرها من الثوابت في الدرس، وتخرج فيها الأدباء والعلماء والفقهاء وأصحاب الخطط الشرعية وغيرها. غير أن أهم ما نلاحظه في هذه الفهرسة هو التجديد الذي حصل في مناهج بعض المواد، والمصنفات التي يتم الاعتماد عليها. وتمثل المحاولة المستمرة للبحث عن التأليف الأفضل، فأصبح لكل عصر كتبه ومؤلفاته التي يعتمد عليها الشيخ أثناء الدرس. نجد ذلك في مادة الفقه التي تعاقب على درسها المؤلفات التالية: مدونة سحنون، فتهذيب البرادعي فمختصر ابن الحاجب الأصلي، فمختصر الشيخ خليل وتحفة ابن عاصم ورسالة أبي زيد القيرواني. فما دام المجال مفتوحا في التأليف، والاتصال قائما بين المراكز الثقافية في العالم الإسلامي، فإن الكتاب سيظل بدوره خاضع لعملية التطور والتجديد، وسيظل الدرس معه في تطور، يرتكز على ماجد في عالم الكتب وعلى خبرة الشيوخ الطويلة في مجال التدريس.

ولجأ المؤلف أثناء بناءه لتراجم شيوخه إلى أسلوب إخباري يروم نقل المعلومات عن الشخصية المترجم لها، ويتبع فيه في الغالب أسلوب بسيط خال من الزخرفة اللفظية والتزويق البياني، مع نهج الاسترسال، وتفادي غريب الكلام. والمعلومات الموجودة في الترجمة هي حصيلة ما توفر لدى صاحب الترجمة عن شيوخه، وهي معلومات وإفادات إما تعرف عليها من خلال معاشرته لهم والجلوس إليهم، وإما عن طريق الخبر. وتبعا لهذه المادة تطول الترجمة وتقصر غير أن الكاتب قد التزم منذ الوهلة الأولى بخط معين في سير تراجمه، فلا يذكر من أحوال شيوخه إلا ما يعني الحال عليه من الاختصار والإنجاز، ويطيع المؤلف تحلياته بروح الأدب وبأسلوب أدبي رفيع ينحاز فيه عن الوضوح الذي ابتغاه في تراجمه.

العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)

للمؤلف: عدنان الوهابي

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا