فهارس علماء تطوان... السيرة الباطنية لشيخ أحمد بن عجيبة - بريس تطوان - أخبار تطوان

فهارس علماء تطوان… السيرة الباطنية لشيخ أحمد بن عجيبة

بريس تطوان

وهي جزء من سيرته العامة، وقد وقع الكلام فيها في الفترة الثانية من حياة الشيخ، وذلك تحت عناوين دالة: “ذكر ما ارتكبناه في سيرنا من الأحوال، وما لقينا من الأهوال في طريق الوصال، ذكر انتقالنا لعمل الباطن، ذكر خدمتنا للشيخ بنفسنا ومالنا، ذكر سياحتنا في بداية أمرنا للذكر والتذكير بما ارتكبناه في سيرتنا من الأحوال، وما لقيناه من الأهوال، في ذكر امتحاننا بالسجن والخروج من الوطن، ذكر سندنا لطريق التصوف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر من شهد لنا بالخصوصية على وجه الإخبار من المشايخ وغيرهم، ذكر ما شهدناه من الكرامات الحسية والمعنوية، ذكر ما تتميز به الطريقة من خرق للعوائد وقتل النفس وإجهاد للبدان”.

دخل الشيخ ابن عجيبة رسميا في الطريقة الدرقاوية (عام 1208هـ) أي بعد سنتين من تولي السلطان مولاي سليمان الحكم، ويرجع سبب انتقاله من العلم الظاهر إلى العلم الباطن أنه وجد نسخة من الحكم العطائية عند بعض الأصحاب فنسخها ثم طالع شرح ابن عباد، فزهد في الدنيا، وانتقل إلى العبادة والتبتل لذكر الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حببت إليه الخلوة وأبغض الدنيا وما فيها. فكان يقرأ القرآن، وربما ختم في الشهر أربع عشرة ختمة، ثم قرأه باللوح برواية المكي والبصري، وبدأ السبع ولم يدركه. وبموازاة مع ذلك جلس لتدريس العلم الظاهر بعزيمة واجتهاد، فدرس في مدينة تطاوين في سبعة مواضع: “في جامع القصبة، وفي جامع الجعيدي، وفي مسجد الساقية الفوقية، وفي زاوية ابن ناصر، وفي زاوية احنصل، وفي زاوية ابن مرزوق وفي زاوية سيدي السعيدي… وفي مواضع أخر”.

وهكذا استمر به الحال منذ عام (1190هـ) وبقي مدة طويلة تناهز خمس عشرة سنة أو ست عشرة، حائرا لا يدري الحكم الفصل إلى أن اهتدى إلى ضرورة الجمع بين علم الشريعة وعلم الحقيقة، وهو الجمع بين الإسلام والإحسان.

فانضم إلى الطريقة الدرقاوية بعد أن قدم إليه الشيخ محمد البوزيدي بنفسه ولقنه الورد سنة (1208هـ)، بعد مكاتبات بينهما حثه فيها الشيخ على الصحبة والوصول. يقول الشيخ أحمد بن عجيبة عن اتباعه لشيخه بقوله: “ثم صحبت شيخنا العارف الرباني سيدي محمد البوزيدي الحسني سنة ثمان من القرن الثاني عشر فتجردت واشتغلت بالمجاهدة حتى لاحت علينا أنوار المشاهدة”.

ويصور لنا الشيخ أحمد بن عجيبة في فهرسته كيفية إماتته لشهوات نفسه وتهذيبها، فقد تجرد لخدمة شيخه وقضاء حوائجه مهما كانت مكلفة، فبنى له داره في غمارة، وخطب له وتكفل بتكاليف الزواج وتجهيزه، ثم بنى له العين والمسجد ببني زروال: “ثم لم يزل يرسل لي وإلى أخي في حوائجه ومآرب داره فنقوم بها بحول الله وقوته، فجل زاويته قائم بنا والحمد لله”. كما تنازل عن أملاكه: “وقد كنت قبل أن أدخل في طريق القوم متلبسا بشيء من الدنيا، كان عندي بستان وعرصتان من الليشين من قبل الحبس وبقرة تحلب وملاح الملح وحزانة من كتب العلم، فلما دخلت في الطريق ذهب ذلك كله”. ولبس الخشن من الثياب، وعلق سبحة غليطة في عنقه، زتسزل في الحوانيت وأبواب المساجد، فما رأى في الدنيا لا أصعب منه ولا أجهز لأوداج النفس منه، وكان يتعمد به أهل الإنكار: ” وكنت أتعمد أيضا من كان يعظمني وأقاربنا أكثر وكنت ألح في السؤوال عليهم وأظهر لهم الرغبة في الدنيا قصدا للإخلاص وقتل النفس”.

ثم قام بتشطيب السوق وحمل أزباله على عنقه إلى خارج المدينة: “وكانت أيام الشتاء فربما يسيل منه على ظهري”. وكان إذا فرغ من الصلاة وهو إمام حمل الجراب “أقراب” على ظهره وعلقه في عنقه واحد من الأمام والآخر من الخلف، وسقى بهما الناس في الأسواق والطرق والحوانيت”.

وكان يخرج كل ما يفضل عليه من الرزق ويتصدق به، ولا يمسك إلا ما يتقوت به وأهل داره والفقراء يوما أو يومين. ويخدم الفقراء ويغسل ثيابهم بنفسه ويطبخ لهم. وقد أصابت هذه الأفعال أهل تطوان بالصدمة والذهول، وتبرأ منه أهل بيته وقبلوا فيه العزاء، يقول في ذلك: “سلموا وبكوا علينا بكاء الميت. وتعزوا فينا تعزية الميت، فكانت قوافل من النساء تأتي أهل الدار وتعزيهم فينا، وحزن علينا أهل تطاون حزنا شديدا”.

العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)

للمؤلف: عدنان الوهابي

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع

 


شاهد أيضا