الحديث عن أسلوب العيش في تطوان، أو تطاون كما ألف أهلها على تسميتها بنبرة أندلسية إيبيرية، لا يكتمل دون الغوص في الموروث الثقافي لهذه المدينة الأصيلة التي توحي لكل زائر بحس أندلسي عميق تراثا ومعمارا. فالرافد الأندلسي بارز في كل مناحي الحياة اليومية التطوانية بفعل تأصل التقاليد والعادات التي أتى بها الوافدون من الأندلس في القرن الخامس عشر ميلادي غداة طردهم من الأندلس ليستقروا بعدد من المدن المغربية ومن بينها تطوان، التي انصهروا مع أهلها الوافدين من جبال الريف ومن فاس العريقة وكذا مع الوافدين من الجزائر، برصيدهم الثقافي العثماني التركي، ليظهر نمط عيش أندلسي متميز يطغى على مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية لهذه المدينة.
وأثر الطابع الأندلسي على هذه المدينة بفعل استقرار الموريسكيين الذين تم طردهم من الأندلس بقرار من الملك الإسباني فليب الثالث في بدايات القرن السابع عشر الميلادي (1609 م)، حيث تم نقل وفود هؤلاء المهجرين غنوة فاستوطن العديد منهم هذه المدينة التي كانت قد أوت سابقيهم من المهاجرين، فتم بعد ذلك توسيعها بخلق أحياء وأرياض ضمت جموعهم، ومكنتهم من العيش في بؤر حاولت الحفاظ على شخصيتها المتميزة عبر القرون، إلى درجة أطلق على تطوان اسم “بنت غرناطة”.
هذا الوصف الذي يجد دالته في التمعن في غرناطة الفيحاء، الرابضة على مشارف سلسلة جبال سيرا نيفادا، بحصونها وأبوابها، وبشوارعها ودروبها، وبسواقي مياهها السارية في جوف أراضيها لتروي بساتينها وحدائقها الغناء، ومقارنتها بتطوان، الحمامة البيضاء الرابضة على سفح جبل درسة، بأسوارها، بأبوابها، بأحيائها، بأزقتها، وبعيونها ومياهها الجوفية الجارية فيرياضها وفي سقاياتها وفي معداتها، والمتدفقة من أنابيب وصنابير قنوات مساجدها ومنازلها ….. فنقط التشابه بين المدينتين بارزة في دروب وأزقة يلفها البياض، ومنازل تعكس أشعة الشمس المتوهجة الجميلة، ووجوه مشرفة متسامحة قنوعة، وسمات وملامح متشابهة هنا وهناك، في غرناطة وفي تطوان….
هذا التميز أطفى خصوصيات على مدينة تطوان إن على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لتصبح أصدق تعبير عن التأثير الأندلسي في الهوية الثقافية المغربية إن على مستوى العادات والتقاليد أو المعمار والممارسات.
أخلاق أهل تطوان:
من أبرز ما يميز أهل تطوان، أنهم قد عرفوا منذ القديم بالشجاعة والدفاع عن المقدسات الدينية والوطنية، وذلك نظرا لموقع المدينة الاستراتيجي ودورها في مواجهة كل هجوم من جهة الشمال، وذلك ما يفسر وجود ما كان يعرف في تطوان منذ القديم بـ “دار البومبة” أي الدار التي كانت مقرا لصنع السلاح للمقاومة والجهاد.
ثم إن أهل تطوان، بفعل الحمولة الأندلسية، عرفوا إلى جانب ذلك، بأنهم أهل أدب ولطف ورقة وأهل حياء وكرم، وأهل بساطة وتواضع، وأهل بر وإحسان، وأهل كرامة وعزة نفس، لا يرضون أبدا بالمهانة ولا بالمذلة من أي شخص مهما كانت درجته، يفضلون العيش الكريم دون صخب ولا عجرفة، ويعشقون الأمن والسلام دون فوضى ولا هيجان، ولذلك كان من أبرز الحكم المشهورة عندهم: “ما نضربوا، ما نهربوا، ما نقدوا على فتنة”، أي إنهم ليسوا من المبادرين بالضرب والهجوم وشن الغارات على العدو، كما أن من أبرز صفاتهم الشجاعة إزاء المواقف الصعبة التي يصمدون أمامها فلا يفرون منها، علما بأنهم لا يرغبون في الخوض في الفتن، بل يفضلون العيش في أمن وسلام.
وقد صف المؤرخ محمد داود أهل تطوان فقال في ختام کتابه تاریخ تطوان “عرفت المدينة كيف تعيش، عزيزة الجانب، موفورة الكرامة، حسنة السمعة، فكان القليل فيها مقنعا، والضعيف لطيفا ظريفا، والصغير نقيا نظيفا، والغني مقتصدا مدبرا، والحياة وديعة يسيرة، والأعمال متقنة منظمة، لذلك كان سكانها آمنين مطمئنين، راضين مرضيين”.
العنوان: تطوان إرث وطموحات متوسطية
إشراف: كريمة بنيعيش / سعيد الحصيني
(بريس تطوان)
يتبع…
