فلنفتح النوافذ..! - بريس تطوان - أخبار تطوان

فلنفتح النوافذ..!

أمام شتى أنواع التعصب التي تغزو العالم، نجد الرأي يأخذ الحصة الكبرى، إذ يبالغ الفرد في التشبث برأيه حد الاقتتال، ويكفر كل من اعتنق مذهب الرأي الآخر، وكأن الصواب يأخذ منحى واحدا وواجهة وحيدة، وغيرهما يعتبر خطأ شنيعا..

إن الاختلاف في وجهات النظر، طبيعة بشرية وفطرة وجدت مع وجود الإنسان وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، الأمر الذي لا يكاد يستساغ بالنسبة لفئة ليست بالهينة من الناس، إذ يمضي المتعصب جازما قاطعا متمنعا عن الإصغاء للرأي الآخر، وكأن الرأي حقيقة مسلمة لا تقبل النقاش والحوار.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله: “رأيي صواب يحتمل الخطأ.. ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب” في تصريح صريح له أن الرأي، مهما بلغت أهميته، يظل نسبيا، قابلا للتصحيح، ولا يمكننا التعامل معه على أنه حقيقة مطلقة منزلة.. من الواجب تصديقها والإيمان بها.

ذاك أن الاختلاف، والذي يعد نعمة حقيقية أنعم الله بها على البشرية جمعاء، يحولها المتعصب إلى نقمة مقيتة، تسود الحوار ولذته، وتحول دون إيصال الأفكار وإغنائها ولا تفتح المدارك وتنويرها.. ليظل الطريق إلى الحوار السليم مسدودا.. معرقلا.. مشوبا بالعقبات.

التعصب للأراء ولوجهات النظر، في نظر الإنسان العربي موروث ومفخرة، حتى إننا كمجتمع حينما نود الحديث عن تشبثنا هذا، نستذكر القولة الشهيرة التي لصقت بنا: “ولو طارت معزة”، إذ تعود قصة هذا المثل، حسب ما حكت لي جدتي ذات يوم، إلى شخصين كانا يستظلان بظل شجرة في البادية، قبل أن يتناقشا حول كائن أسود بعيد منهما، فأخذا يتجادلان، أحدهما يقول إنه من فصيلة الماعز والثاني يؤكد أنه طائر… ليحسم الكائن الجدال ويقدم على الطيران… وكان هذا الفعل تأكيد على أنه طائر ، إلا أن المتعصب بينهما، ختم الجدال بجملة مضحكة، فقال له: حتى بعد أن طار، فهو من فصيلة الماعز…

حكاية لا ندرك مدى صحتها، لكن يكفي أنها لصيقة بنا كمجتمع وموروث ثقافي، نستحضرها في أحاديثنا اليومية، وفي تجمعاتنا، بل ونفتخر لأننا ورثنا “أغنان” أو “قسوحية الراس”.. ذاك الذي يتحول لا شعوريا من دعابة إلى واقع، ينمو بداخلنا ويتضخم، ويؤثر على سلوكاتنا ومعاملاتنا، حتى العملية والمهنية منها، فتجدنا نستميت في حروف وجهة نظرنا ونقاتل من أجلها، حتى لو تأكدنا في قرارة أنفسنا أننا على خطأ وأن فكرتنا غير صائبة.. بل حتى لو اقتنعنا بالرأي الآخر لدقته ولواقعية الحجج التي صاحبته.. لكننا لا نجرؤ على الإعتراف بذلك ونستمر في العناد.. لتعصبنا المنبوذ دينيا واجتماعيا وسيكولوجيا…

قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل”، أي من أعجب برأيه وعقله وظنه كاملا متكاملا.. لا شك فيه ولا ريب، ضل عن طريق الحق وأصابه الهلاك جراء الغرور والتقوقع الفكري، لأنه وبكل بساطة من لا يسمح بمرور أفكار حديثة بعقله… مات مخنوقا بأناه وتضخم أفكاره المسجونة في قفصه الأسود.
فلنفتح نوافذ مداركنا، كي لا نموت إثر اختناق فكري سام.

 


شاهد أيضا