فضاء الساحات بشفشاون... ساحة الخصة - بريس تطوان - أخبار تطوان

فضاء الساحات بشفشاون… ساحة الخصة

بريس تطوان

توجد ساحة الخصة خارج أسوار المدينة العتيقة. بناها الإسبان في عهد الحماية لتكون مكانا للراحة واستنشاق الهواء النقي والاستمتاع برائحة الزهر التي تنبعث من أشجار الآرنج والبرتقال. هي ساحة مستديرة الشكل تحتوي على كثير من الأشجار المتنوعة كالنخيل، والأرز، والبرتقال، والآرنج، وبها ممرات تفضي إلى وسط الساحة التي ازدانت بأقواس من نبات الأرز تخضع إلى عناية خاصة بسقيها بالماء وتشذيبها بمقص حديدي كبير كلما نمت وأثرت على شكل تلك الأقواس الخضراء البديعة فتبدو من بعيد كأنها أقواس النصر، لكنها تتميز عنها بأنها نباتية خضراء تزيد أشعة الشمس الدافئة خضرتها بهاء وجمالا.

تتوسط هذه الساحة نافورة يطلق عليها اسم “الخصة” التي شيد بناؤها على شكل مجموعة من الأضلاع متساوية الطول، وتتكون من صهريجين: علوي وسفلي. في الأسفل تقبع ضفادع نحاسية كبيرة يخرج من فمها الماء متدفقا، وفي الأعلى ضفادع من النحاس أيضا، لكنها اصغر حجما من الأخرى وينبتق الماء من فمها أيضا، فينحدر عبر ممرات أو مجار من الصهريج الأعلى إلى الصهريج الأسفل ومن الصهريج إلى جهات أخرى بواسطة فتحات. والعجيب أن الماء لا يفيض في الصهريجين معا؛ إذ تسمح الفتحات أو المجاري للماء بالانسياب بواسطتها نحو احواض الخصة.

لصبيب الماء من ثقوب الضفادع نظام محكم كأنه قيس بمدد زمانية مضبوطة؛ فتارة ينزل الماء غزيرا، وتارة أخرى ينزل قليلا. وكأنما استمد هذا النظام البديع تربيته من “جنة العريف” أو “ساحة الأسواد” في مدينة غرناطة التي وضع لها المهندسون العرب تصميما لمجاري مياهها ونظاما لتدفقها ما زال الإسبان حتى الآن يمتلكهم الإعجاب بهندسة المياه عند العرب في المدن الأندلسية.

لما وصل المستعمر الإسباني إلى مدينة شفشاون، لاحظ غزارة المياه فيها، فبنى “الخصة” مستفيدا من الهندسة المعمارية الأندلسية بعدما أدخل بعض التعديلات التي تتوافق والعصر الذي بنيت فيه.

يتوسط النافورة [الخصة] عمود كهربائي مطلي باللون الأخضر، به مصباح كبير يضيئها أثناء الليل. أما الضفادع النحاسية فقد وضعت بجانبها مصابيح تعكس أضواءها على بركتي الماء. وحركة المياه كانت لا تتوقف ليل نهار، لكنها أصبحت نادرة الآن حتى كادت أن تجف، واشتاقت تلك الضفادع النحاسية إلى الماء لتخرجه من ثقوب أفواهها، لكنها لا تجد الآن قطرة واحدة في مدينة تعد من المدن المشهورة بغزارة المياه! فقدت الضفادع ألقها القديم، وظلت هناك قابعة في أماكنها في انتظار من يبعث فيها الحياة، ويروي أجسادها القاحلة ليخرج الماء كما كان من قبل دفاقا نحو الصهريج الذي مات عطشا.

في الماضي عندما كانت المياه تغمر “الخصة”،  كان يحلو لكثير من الأطفال أن يلمسوا الضفادع بأيديهم، غير عابئين أو مدركين للخطر المحدق بهم، ذلك أن التيار الكهربائي يكون قد تسرب قليلا إلى الضفادع النحاسية بفعل قربها من الماء، وما أن يضعوا أيديهم على تلك الضفادع حتى يقفزوا متألمين من شدة الصدمة الكهربائية.

تحيط بالنافورة كراس حمراء اللون مبنية من الإسمنت يجلس عليها الزائرون للاستراحة أو القراءة أو تبادل الحديث، وأحواض توجد بها أشجار الورد على اختلاف أنواعها وأشكالها، لا تسمع وسط هذه الساحة سوى زقزقات العصافير، ولا تشم إلا رائحة الأزهار والورود، وتفضي ممراتها إلى ممر الساحة الخارجي الذي يدور فيه الناس دورات وهم يتفسحون فيه، وبعضهم يجلس على الكراسي التي لا يفضل الواحد منها عن الآخر سوى بضعة أمتار، وفوق هذا الممر الدائري يدور سقف من الخشب كأنه شبكة كبيرة من الألواح التي تشابكت في تنسيق بديع، وقد التوت حولها  دالية ذات عناقيد من العنب الأبيض أو الأسواد. وكثيرا ما كان يثير شهية الأطفال فيعملون كل ما في استطاعتهم لجنيه والتلذذ بأكلها خاصة عندما يصبح ناضجا، لقد ماتت الدالية بعد أن عاشت عقودا طويلة كانت تضفي على ساحة “الخصة” رونقا وجمالا.

تحيط بالخصة عدة بنايات ك “مقهى عبد الخالق” ومبنى الكنيسة الذي أصبح الآن روضا للأطفال؛ ف “الكنيسة” بناء مستطيل الشكل يتكون من طابقين يحيط به سور وحديقة غرست فيه نخلتان كبيرتان وشجرة مشمش وشجرة تين، لها صومعة مربعة الشكل وضع رمز الصليب في أعلاها إلا أنه بعد حصول المغرب على الاستقلال عوض الصليب بمصباح كهربائي يشع صوؤه على المكان. لها باب خارجي صغير مصنوع من شبابيك حديدية يفضي إلى ساحتها أو حديقتها، وباب داخلي كبير ومرتفع يشبه أبواب الكنائس الأروبية، طلي البابان كما طليت النوافذ باللون الأزرق، وبجانب الكنيسة مقهى الستيام التي كانت حافلات النقل تقف بجانبها، لقد كانت المحطة في “باب السوق”، انتقلت إلى ساحة وطاء الحمام ثم إلى ساحة “الخصة” لتنتقل إلى جهات أخرى من المدينة حيث لم تعرف شفشاون مكانا واحدا قارا لمحطة المسافرين بل تغيرت أماكنها على مر الأعوام.

حين يسير المرء في دائرة الساحة يصل إلى مقر البلدية والباشوية ثم إلى مركز الشرطة جهة اليسار، ويطلق على هذه الساحة، في الوقت الراهن، “ساحة محمد الخامس”، وتفضي إلى “نهج الحسن الثاني”.

كانت أرضية الخصة في الماضي تتشكل من الحصى التي كانت تجلب من بعض شواطئ مدن الشمال كشاطئ “المضيق” على سبيل المثال، وكان يقابلها الشارع المفضي إلى ضريح مولاي علي بن راشد، وقد توزعت على رصيفه الحصى لتمتلئ أرضيته بها، وكان لهذا الحصى سحر خاص عند الأطفال. صوت يأتي من بعيد وكأنه صوت ارتطام الموج بحصى الشاطئ على امتداد مساحته الشاسعة. أصبح المشي على الحصى عند هؤلاء الأطفال لعبة ممتعة قريبة إلى قلوبهم، الأطفال ينتشون بضرب الحصى بأقدامهم الصغيرة على الرغم من نهر الكبار لهم، لكنهم كانوا معاندين؛ فيعاودون ضرب الحصى بأقدامهم الحافية أو بأحذيتهم المطاطية، ويتلذذون بذلك الصوت الرنان الذي تحدثه أقدامهم حين تصطدم بالحصى ويستمرون في ذلك ذهابا وإيابا في ذلك الشارع الذي كانوا يجدون فيه متنفسا حين يتمردون على الكبار ليلعبوا لعبتهم المفضلة التي لا يحس بمتعتها إلا الصغار.

الكتاب: شفشاون… ذاكرة المكان

الكاتب: عبد الواحد التهامي العلمي

المركز العربي للدراسات الغربية

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا