فئات خاصة في المجتمع التطواني.. اليهود - بريس تطوان - أخبار تطوان

فئات خاصة في المجتمع التطواني.. اليهود

بريس تطوان

كانت نظرة المجتمع التطواني – والمغربي على العموم – إلى اليهود في القديم، نظرة خاصة، يقوم أساسها في الغالب على ما يكنه المسلم لليهودي من ضغينة لما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى على أيدي اليهود في بداية فجر الإسلام.

وبالتالي، فإن نوعية التعامل الذي كان سائدا بين المسلمين واليهود إلى حدود الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي، كانت تتسم بسمات معينة، نظرا للوضعية التي كان يعيش عليها اليهود في المغرب عموما، وفي تطوان بالخصوص، علما بأنهم من اليهود السفرديين الذين تم طردهم أيام محاكم التفتيش التي قضت بطرد كل من لا يدين بالمسيحية من أرض الأندلس الفيحاء، فكانت وجهتهم – كما كانت وجهة المسلمين منهم – إلى هذه الضفة المقابلة للأندلس من أرض الإسلام التي أوتهم ورحبت بهم، فاتخذوا منها مقرا وملاذا.

لقد كانت وضعية اليهود بالمغرب على العموم، وضعية تتميز بنوع من الانعزال والتقوقع داخل دائرتهم، محافظين فيها على طقوسهم الدينية ومتشبتين بروابطهم الأسرية وخائفين على أنفسهم مما يمكن أن يلحقهم من الأذى، وهم قلة بالنسبة لغيرهم من المسلمين. وتبعا لهذه الوضعية، فإن معاملتهم من طرف المسلمين، كانت على اعتبار أنهم فئة مخالفة لهم في العقيدة وفي التوجهات وفي طريقة التصرف، فئة لها طقوسها وتعاليمها، ولها عاداتها وأعرافها، ولها لباسها الخاص، ولها أعمالها التي اختصت بها داخل المجتمع، بل لها حيها الخاص الذي تسكنه وتنفرد به، وهو حي الملاح.

وإذا كانت المعامله المسلمين لليهود قائمة على أساس كل هذه الاعتبارات، فإن ذلك لا يعني أن اليهود كانوا يعيشون بمعزل عن باقي المجتمع، فقد كانت الهيئة الحاكمة تسعى باستمرار إلى ضبط العلاقات بين أفراد الشعب كلهم، مهما اختلفت دياناتهم أو انتماءاتهم العقدية، ومن هنا كانت الظهائر السلطانية تصدر من حيث لآخر بلزوم احترام مختلف الفئات المجتمعية وخاصة منهم اليهود كما سنؤكد ذلك بعد قليل. وكدليل على حسن التعايش بين المسلمين واليهود، فقد كان وجود هذه الفئة مكملا لحياة باقي الفئات الاجتماعية الأخرى، حيث كان منهم التجار، وكان منهم أصحاب الحرف التي تخصصوا فيها فأتقنوها إتقانا لم يبلغها غيرهم.

ومن الجدير بالذكر أن كثيرا من الحرف التي كان المسلمون يأنفون من تعاطيها، إنما كان اليهود هم الذين يقومون بها، ومن ذلك تنظيف مجاري الواد الحار، وترقيع الروابيز، وكي الأواني القصديرية، وخياطة برادع الحمير… إلخ. أما الميسورون منهم فكانوا يقومون بالإشراف على المهام الدينية، أو بالتدريس في مدارسهم، وكذا بالتجارة في مختلف أنواع السلع وخاصة في الذهب.

ولقد اهتمت السلطات العليا بالمغرب بقضية اليهود وتواجدهم داخل المجتمع المغربي ككل، كعناصر مكونة لهذا المجتمع، تستحق حسن المعاملة والاحترام الذي يفرضه الدين الإسلامي بين مكونات المجتمع، وذلك ما يفهم من رسالة السلطانية التي بعث بها المولى سليمان إلى قاضي تطوان الفقيه السيد عبد الرحمن الحايك وإلى فقهاء تطوان، في شأن احترام حقوق اليهود بتاريخ 29 ذي القعدة 1212 هـ الموافق لـ 14 ماي 1798م وهذا نصها:

“الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وءاله”

(ثم الطبع الكبير للمولى سليمان)

الفقيه القاضي السيد عبد الرحمن الحايك وجماعة فقهاء تطوان وفركم الله ووفقكم. السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. وبعد فقد علمتم أن اليهود في ذمة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمتم ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام فيمن ظلم يهوديا. ثم إن يهود تطوان رفعوا شكايتهم إلينا بأنهم يكترون الديار من ملاكها من المسلمين، وبيدهم عقد الكراء، وربما يقدم أحدهم الواجب أو بعضه، ثم يضطرونهم إلى الخروج قبل استيفاء مدة الكراء، وأنتم ساكتون عن مثل ذلك، وهذا أمر لا ينبغي السكوت عنه، لما فيه من شنيع الظلم وفضيع الجرم، وقد علمتم نص الله تعالى في التنزيل العزيز فيمن قبلنا في حق من نهى عن المنكر ومن ظلم، قال تعالى (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بيس ما كانوا يصنعون)، واختلف في الفرقة الساكتة  والآن مثل هذه الحقوق لا تغفل، وقضاياها لا تهمل، ولا يترك حق لمسلم على ذمي، ولا لذمي مسلم، و السلام. في 29 من ذي القعدة من عام 1212″.

وكذا ما ورد في الظهير السلطاني الذي أصدره السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن في هذا الشأن بتاريخ 26 شعبان 1280 هـ (الموافق لـ 5 فبراير 1864 م)، وهذا نصه:

” بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، نأمر من يقف على كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره وأطلع في سماء المعالي شمسه المنيرة وبدره، من سائر خدامنا وعمالنا والقائمين بوظائف أعمالنا، أن يعاملوا اليهود الذين بسائر إيالتنا بما أوجبه الله تعالى من نصف ميزان الحق والتسوية بينهم وبين غيرهم في الأحكام، حتى لا يلحق أحد منهما مثقال ذرة في الظلم ولا يضام ولا ينالهم مكروه ولا اهتضام، وأن لا يعتدوا هم ولا غيرهم على أحد منهم، لا في أنفسهم ولا في أموالهم، وأن لا يستعملوا أهل الحرف منهم إلا عن طيب أنفسهم، وعلى شرط توفيتهم بما يستحقونه على عملهم، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة ونحن لا نوافق عليه لا في حقهم ولا في حق غيرهم ولا نرضاه، لأن الناس كلهم عندنا في حق سواء، ومن ظلم أحد منهم أو تعدى عليه فإنه نعاقبه بحول الله، وهذا الأمر الذي قررناه، وأوضحناه وبيناه، كان مقررا، ومعروفا محررا، لكن زدنا هذا المسطور تقريرا وتأكيدا، ووعيدا في حق من يريد ظلمهم وتشديدا ليزيد اليهود أمنا إلى أمنهم وأن يريد التعدي عليهم خوفا إلى خوفهم، صدر به أمرنا المعتز بالله في السادس والعشرين من شعبان المبارك عام ثمانين ومائتين وألف”.

هكذا كانت الأحكام تقصد العدل وحسن المعاملة بين الناس، بالرغم من كون بعض هذه الفئات كانت تمثل الشريحة المكلفة ببعض المهام الوضعية التي لا يقوم بها غيرهم. ومن ذلك بعض الأعمال الخاصة بمناسبة الاحتفال بالعرس مثلا، فقد كانت الأسرة التطوانية تستأجر اليهوديات قبل موعد الاحتفال بالعرس ليقمن بتلميع الأواني الفضية والنحاسية كلها. ثم إن عملية إعداد القهوة اثناء أيام العرس لا تقوم بها إلا اليهوديات، وكذا غسل الآواني والكؤوس المستعملة في مراسيم تقديم الشاي والقهوة للضيوف الحاضرين في أيام الاحتفالات… إلخ.

ثم إن اليهودية المكلفة بالقيام بهذه الأعمال في دار العرس، إنما تكون ملزمة بالاستقرار في مكان يخصص لها مسبقا في أحد أركان البيت، وغالبا ما يكون جنب المطبخ، حيث تعد لها “هيدورة” تتخذها للجلوس عليها ولإنجاز أعمالها، فتقوم بتلك الأعمال بعيدا عن أعين الضيوف، دون أن تجالس أهل البيت من النساء المسلمات.

وكانت اليهوديات يقيمن بمهمة أخرى،وهي الخروج إلى الأسواق، واختيار التياب التي يأتين بها إلى البيوت السيدات المسلمات، حتى يخترن ما يعجبهن منها، لأن المسلمات -وخاصة منهن المنحدرات من الأسر العريقة المحافظة – لم يكن من عادتهن أن يخرجن للتجول بين المتاجر والتعامل مع الباعة وأصحاب السلع، ومن هنا كان دور اليهوديات هو دور الوسيط التجاري بين التجاري وبين النساء في البيوت.

كما أن كثيرا من الأسر الوجيهة بتطوان، كانت تتخذ من اليهوديات خدمات مكلفات بأداء الخدمات خارج البيت، كإيصال الأشياء أو تبليغ الكلام إلى أحد الأقارب، مما لا يتيسر للسيدة المسلمة أن تقوم به بنفسها. وكانت صنعه “العقد”، – أي الأزرار الحريرية الخاصة بالقفاطين وغيرها من الألبسة التقليدية –  من اختصاص اليهوديات أيضا، حيث كان من المتقنات لها غاية الإتقان، وكل هذا سبقت الإشارة إليه في الفصل الخاص بالمرأة في تطوان. ومن أشهر العائلات اليهودية التي كانت تقوم بهذه المهمة، عائلة بن شريقي، ومنها الأخوات الأربع: ضونا ومازالطوف وعايشيطا وسيميطا.

وكانت اليهودية من هؤلاء لا تلبس إلا ذلك الثوب الأسود الطويل المعروف باسم “الفرطيطة” مع شد رأسها بمنديل أسود على هيئة معينة لا تستعملها غيرها من النساء المسلمات. بينما في المناسبات الكبرى وفي الأعراس. فإن المرأة اليهودية تلبس ما يعرف بالكسوة الكبيرة، وسيتم الحديث عنها لاحقا في الفصل الخاص بأعراس اليهود.

وكانت اليهوديات لا يتحدثن داخل البيوت المسلمين إلا بالعربية، مع التزامهن بحدود الأدب واحترام الكامل لأصحاب البيت من المسلمين، حيث يخاطبنهم بقولهن: “لالا” لربة البيت، و”سيدي” لرب البيت، أما اللغة المستعملة بين اليهود في أغلب الأحيان بتطوان –  وخاصة من كان منهم من الطبقة الميسورة -، فكانت هي الإسبانية التي حافظوا عليها منذ هجرتهم من بلاد الأندلس.

وبعدما عرفت تطوان في معظم فترات تاريخها جالية كبيرة من اليهوديعدون بالآلاف، صار هؤلاء اليهود يهاجرون منها في النصف الثاني من القرن العشرين، فكان منهم من رحل إلى إسرائيل، وكان منهم من رحل إلى دول أمريكا اللاتينية، وكان منهم من رحل إلى أوربا، فلم يبق منهم في تطوان إلا مجموعة بسيطة  قد يعد أفرادها بالعشرات.

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ.حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا