فئات خاصة في المجتمع التطواني.. الرقيق - بريس تطوان - أخبار تطوان

فئات خاصة في المجتمع التطواني.. الرقيق

بريس تطوان

من المعروف أنه إلى حدود الثلاثينات من القرن العشرين، كانت عادة اتخاذ العبيد والإماء ما زالت سارية المفعول بين المغاربة بصفة عامة، حيث كان تطوانيون بدورهم يشترون الرقيق لاستعمالهم في خدمة البيوت والقيام بالأعمال المختلفة.

وهكذا كان العبيد والإماء يباعون في الأسواق، حيث كان سوق “الغرسة الكبيرة” هو سوق النخاسة المعروف للمزايدة في أثمانهم. اذ يقف النخاسون أو الدلالون المكلفون ببيع العبيد، وكذا الدلالات المكلفات ببيع الإماء ويقع الاتفاق بين البائع والمشتري، فيأخذ المشتري عبده إلى بيته، بينما ترافق الدلالة الأمة المبيعة إلى بيت مولاها الجديد، وقد ترافق معها إماء أخريات، حتى توفر لصاحبة البيت فرصة الاختيار  بين المعروضات للبيع.

وهكذا يصبح العبد، كما تصبح الأمة فردا زائدا في البيت الجديد، حيث يكون لوجوده أثر قد يكون إيجابيا وقد يكون سلبيا على أصحاب البيت، كما أن مصير هذا العبد أو هذه الأمة يكون مرتبطا بالظروف التي ستصادف كل منهما في ذلك الجو الجديد، فقد تحظى الأمة برضى مولاها، فيستولدها، وقد يحررها فتصبح من سيدات البيت، وقد تلقى عكس ذلك، فتعيش حياتها مستعبدة داخل المطبخ بين القدور، حتى يأتيها أجلها المحتوم أو حتى يمل منها سيدها أو سيداتها، فتخرجها إلى سوق النخاسة لبيعها من جديد، ولتتابع مسيرتها في الرق والعبودية حتى يفرج الله عليها بالعتق من قلب رحيم.

وجعل الأمة من جملة المهر، كان من عوائد الأغنياء تطوان، فكان بعضهم يشترط أن تكون تلك الأمة حية، بمعنى أن الزوج يجعلها ملكا لزوجته، فتصبح تحت إذنها، تتصرف فيها بالخدمة والبيع وغير ذلك، ثم إنها اذا ماتت، فإن الزوج يكون ملزم بتعويضها بغيرها.

ومن المعلوم أن عتق الرقاب وتحرير العبيد كان من الأمور التي يسعى إليها الصالحون المتقون الذين يعلمون قول الشريعة الإسلامية السمحاء في شأن الرق، ورغبة الشارع في القضاء على هذه الظاهرة اللاإنسانية التي سادت العالم لفترة غير قصيرة في حياة البشرية.

وهكذا كان الناس يعتقون الرقاب لوجه الله، طمعا في نيل ثوابه كما كان منهم من يشهد على نفسه بأنه قد أعتق رقبة بعد عينه، بمعنى أنه يوصي بتحرير رقبة بعد وفاته، ولهذا كان أهل الهالك يلجأون إلى البحث في أوراقه وينظرون وصيته بمجرد وفاته، فإن كان من بينها أو فيها ما يشهد فيها بذلك، فإنه يقع الإعلان عنه أثناء تشييع جنازته، حيث يشار إلى ذلك بواسطة قصبة طويلة ترفع عالية ويحملها أحد المشيعين للجنازة، وقد شق أعلاها لتوضع فيه ورقة مطوية هي بمثابة شهادة على تحرير رقبة، وقد تحمل القصبة عدة ورقات، كناية على أن المتوفى قد حرر  من الرقاب عدد ما تحمله القصبة من الأوراق. وبعد ذلك تنفذ الوصية بالعتق، حيث يحرر من العبودية من كان في ملكه خاصة وإن لم يكن يملك عبيد ولا إماء، فإن ورثته يكونون ملزمون بشراء أحد العبيد أو الإماء ثم عتقه، وذلك بكتابة شهادة عدلية يصبح بموجبها العبد حرا طليقا.

وفي هذا الصدد نورد فقره من وصية للسيدة آمنة بنت الفقيه الحاج عبد الكريم اللبادي، هذا نصها: “أوصت آمنة  بنت المرحوم الفقيه الحاج عبد الكريم اللبادي الأندلسي التطاوني بالثلث من متخلفها…. ، بعد عتق مملوكتين. شهد بها عليها وهي بحال مرض خفيف في أواسط شوال 1227 (22 أكتوبر 1812م). عبد الرحمن بوسلهام ومحمد بن محمد اللبادي” وبعد وفاة الموصية، أعتق زوجها الحاج محمد بن عبد الله اللبادي مملوكة عنها في 05  جمادى الثانية 1229 (25 ماي 1814م). كما أعتق الزوج المذكور أمة أخرى اشتراها من الفقيه الحايك في 18 شوال 1231 هـ (11 شتنبر 1816 م).

والعبيد والإماء الذين كانوا معروفين بتطوان نوعان: نوع من الزنوج السود الذين يؤتى بهم من الدول الإفريقية السوداء، ونوع يؤتى من الجنوب المغربي، من أقاليم الصحراء أو من بوادي الأقاليم النائية التي تقع فيها الغفلة عن الأطفال الصغار، فيقع فيها السبي والاختطاف، ويتم ترحيل هؤلاء الأطفال إلى المدن البعيدة عن أراضيهم فلا يجد أهلهم إليهم سبيلا.

ومن الجدير بالذكر أن الصلة التي كانت تجمع بين بعض الإماء وبين أهل البيت الذي يعيش فيه، كانت تقوى وتتوثق أحيانا إلى حد كبير حتى ليظن أن الأمة فردا من أفراد الأسرة التي تعيش في كنفها، وذلك لشدة المحبة التي تكنها لهم، وللإخلاص الذي يميز أفعالها وأقوالها ومشاعرها نحوهم، الأمر الذي يجعلهم يبادلونها نفس الشعور، ويقابلونها بنفس العواطف والأحاسيس.

كما كانت صلة بعد الإماء بأصحاب البيت تسوء أحيانا حتى إنها كانت تتسبب في تفكك الأسرة وشقاء أفرادها، وذلك لما كانت بعضهن تلجأ إليه من الحيل للإيقاع بسيدها في حبالها، مبعدة له عن زوجته الشرعية، الأمر الذي كان يثير ثائرة الزوجات الحرائر مما تتحول حياتهن معه إلى جحيم لا يطاق.

ولعل هذا التناقض الذي يلاحظ بين الأجواء التي يسببها وجود الإماء داخل البيوت هو الذي يدفع أهل المجتمع التطواني إلى التمثل بأحد القولين المتناقضين بدورهما إذ يقول أولهما “الدار المباركة هي د فيها مبارك ومباركة”، بينما يقول الثاني: “الدار المباركة هي د ما فيها لا مبارك ولا مباركة”.

وكان العبيد والإماء ملزمين باحترام أهل البيت كبيرهم وصغيرهم، ومن مظاهر ذلك الاحترام كونهم لا ينادونهم بأسمائهم المجردة، وإنما يخاطبونهم بألقاب خاصة، ولو كانوا صغار السن، فسيدة البيت تدعى “لالا” وسيد البيت يدعى “سيدي” وإذا كان بالبيت عدة رجال في الكبير منهما يقال له “سيدي الكبير” والصغير “سيدي الصغير” أو “سيدي العزيز” أو “سيدي فلان” أما البنات فيخاطبن باسم “لالا الصغيرة” أو “لالا العروسة” أو “لالا فلانة”.

من مظاهر الاحترام والأدب من لدن الأفراد الأسرة أيضا للإماء أو العبيد الكبار السن، أن يناديهم صغار البيت بقولهم “طاطا فلانة”  أو “دادا فلانة” للأمة أو “عزي فلان” للعبد.

وكان لباس الإماء بالخصوص على هيئة خاصة مغايرة للباس الحرائر وهكذا فإن الأمة لم تكن تلبس من الألوان –  فيما يخص القفاطين –  إلا الألوان الغامقة الحرة كالأخضر والأحمر والبرتقالي والأصفر بعكس الحرائر التي اللاتي كانت قفاطينهن دائما ذات ألوان الفاتحة كالوردي أو السماوي أو غيرهما من الألوان الهادئة الباردة، أما الدفائن بالنسبة للإماء، فلا تكون إلا من الثوب الغليظ السميك المعروف باسم “الزهر، أو القمر، أو الجاوي”… إلخ.

واما حزام الأمة فلا يكون الا من نوع “الحسبي” – أي الذي يكون خاليا من الزينة –  المعروف بحزام “الجوزة” وإذا كان الحرائر من النساء الكبيرات سنا يلبسن هذا النوع من الحزام، فإنما يكون هذا أكبر حجما من حزم الإماء حيث يضاعفه من حيث العرض وكذا من حيث السمك الثوب.

ولابد للأمة التي تقوم بأعمال البيت، أن تخلع حذاءها أمام أسيادها وأن ترفع أطراف ثيابها فتشدها إلى وسطها، مغطية إياها بما يسمى “التزور”، وهو خرقة من الثوب الذي يحمل مربعات بيضاء وسوداء، تربطه الأمة على وسطها بعقد أطرافه من الجنب، بعد جمع أطراف الثياب داخل سروالها الفضفاض، وذلك حتى يتيسر لها أن تنجز عملها دون أن تتعثر في أديال ثيابها.

وهكذا فقد كان مظهر الأمة وهي في ثيابها ذلك الألوان الغامقة، وتزورها المعقود وسروالها الفضفاض ورجليها الحافيتين، متميزا مخالفا لمظهر السيدات الحرائر اللاتي يتباهين في ثيابهن الطويلة وفي ألوانهن الزاهية وفي رقة حاشيتهن الواضحة في مشيتهن ودلالهن.

أما المكلفة بأعمال المطبخ، فكانت تلبس فوق ثيابها ما يعرف ب “الفريول” وهو عبارة عن كسوة واسعة من ثوب ذي ألوان غامقة، طولها إلى ما فوق الركبة، وأكمامها واسعة مع فتحة ما بين العنق والكتف.

وكانت الأمة تشد رأسها بخرقة من الثوب الذي تضع فوقه “الهليكة” الرقيقة، أما في المناسبات فإنها تشد رأسها ب “السبنية د البحر” الذي تكون من الدرجة الثانية أو الثالثة خلافا لما ترتديه الحرائر من السباني الحريرية من الدرجة الرفيعة وفوقها “الهليكة” أيضا.

اما إذا أرادت الأمة خروج إلى الشارع فإنها تلبس الحايك من النوع المعروف ب “الحايك السكر” وهو من الثوب الخفيف الصوفي والقطن الذي تكون درجته أقل من “الحايك د الحاشية” الذي تلبسه الحرائر. ومعلوم أن الأمة لم تكن تلبس اللثام على وجهها حيث شاع بين الناس قولهم في المثل: “الخادم باللثام بحل الحمار باللجام”.

وكانت الأمه تلبس في رجليها الشربيل، أما في الشارع فإنها كانت تلبس الريحية الحمراء، وهو الحذاء خاص بالنساء القرويات أو الشربيل المعروف باسم “الشربيل بالتودة” وهو شربيل شبيه بالبلغة الرجالية، مع رسم يشغل على جانب من وجه بالبرشمان، اسمه التودة.

ولعله من المناسب – ونحن في السياق الحديث عن الإماء بتطوان – أن نشير إلى أسماء بعض الأسر التي احتفظت إلى عهد قريب عاد قريب بإمائها، مع ذكر أسماء هؤلاء الإماء اللاتي عرفنا منهن الكثيرات، ولكننا ما عرفناهن إلا معتقات حرات طليقات، فمنهن من تزوجت ومنهن من بقيت في البيت الذي عاشت فيه منذ قدر عليها أن تدخل في سلك الرق والعبودية حيث لم تعرف غيره، ولم تستطع فراق أهله الذي تربت في حجرهم، فكان لهم عليها عطف وحنان الأباء والأمهات.

فمن الإماء اللاتي عرفتهن أو عرفت أسماءهن من هذا النوع: فتح الوهر د بنونة، زايدة د بنونة، مبروكة د الخطيب، مبيريكة د العطار، مبروكة د الطريس، مسعود د الفاسي، مسعودة د أفيلال، فاطمة د الرزيني، الياسمين د الطريس، الياسمين د السلاوي، الياقوت د الخطيب مبروكة د الصفار، العنبر د الصيد، زهرة د السلاوي، مبروكة  د السلاوي، جوهرة د أفيلال،  العنبر د بن عبود، أم الخير د الفاسي، فاطمة د الزموري، الياقوت د بريشة، فتاح الزهر د أفيلال، سترة د الخطيب، عايشة د أفيلال، الياسمين د الحراق، الياسمين د السكيرج، مبروكة د بريشة، مسعودة د بريشة، العنبر د الموذن، رحمة د السلاوي، مسعودة د الموذن.

ومن خلال هذه الأسماء، يتبين لنا أن الإماء كن بحمبن من الأسماء أطيبها وأجملها، وهي أسماء لم تكن تطلق على الحرائر، كما أنها أسماء مستمدة من معاني الخير والبركة والسعادة (أم الخير –  سعادة –  مسعودة –  سعد السعود – مباركة…)، أو من أسماء الجواهر والحلي (جوهرة – الياقوت –  العنبر …) أو أسماء الزهور (الياسمين –  فتح الزهر –  زهرة…)  ولعل هذا كان من باب التفاؤل عند النداء على هؤلاء الإماء.

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ.حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا