عند سقوط الثور... تكثر السكاكين - بريس تطوان - أخبار تطوان

عند سقوط الثور… تكثر السكاكين

علينا أن نعترف جميعًا أننا نعيش في مجتمع يسوده الاختلاف في كل شيء، اختلاف في الأجناس والأعراق والأديان واللغات… وأيضاً اختلاف في الرأي. وإن كانت المقولة الشهيرة تفيد أن “الاختلاف في الرأي لا يفسد للودّ قضية” إلا أن الكائن البشري ما فتئ يخلق الاستثناء الذي يكسر به القواعد دائمًا، حتى في الموت. والحقيقة أن الأمر بدأ يشبه نوعاً من النفاق مع الذات نفسها؛ فعلى سبيل المثال يُحرَّم في مجتمعاتنا العربية النقاش وخوض الحديث في “الطابوهات”، بينما ترى الناس راكضين خلفها كمن يتسابق على رغيف خبز في زمن الكساد.

وما موضوع وفاة الكاتبة والمفكرة المصرية نوال السعداوي إلا قطرة أفاضت ماء الكأس الذي قد يدفع العديد من حَمَلة القلم لكتابة هذه الأسطر. فبمجرّد الإعلان عن انتقالها إلى دار البقاء انهالت عليها الشتائم واللعنات من طرف روّاد مواقع التواصل الاجتماعي على أنها “كانت في حياتها ملحدة وتسبّ الدين الإسلامي…” إلخ. فماذا لو تخيّلنا مع بعضنا كيف يكون حال الدنيا لو كان الحساب والجزاء بيد البشر؟ لأنه لو كان كذلك لمنعوا عن بعضهم الرزق الذي كتبه الخالق مُقسَّمًا بالعدل، ولسَعوا للانتقام باستمرار دون عفوٍ أو صفحٍ. فالعمر المتوسط الذي يعيشه الإنسان الحالي هو بين 60 و 63 سنة، منها 18 عاماً تتكون فيه مورفولوجيته الجسدية والعقلية والعاطفية إلى أن يصبح راشداً وبعد ذلك تبدأ أعماله تُحصى، السيئة منها والحسنة. وإذا قمنا بعملية حسابية بسيطة نستنتج أنه يستنزف من حياته 45 سنة يقضيها في محاسبة غيره على ما فعلوا وينسى نفسه، هذا إذا لم يأتي أجله قبل بلوغ ذلك السن.

ولعل السعداوي نقطة فقط في بحر التّمرّد النسوي؛ ففي المغرب على سبيل المثال لا الحصر عرفنا أمثلة للخروج عن الهيمنة الذكورية، كالفنانة التشكيلية الشعيبية طلال أو الحاجة الحمداوية أو أيقونة “الفن الجبلي” في منطقة الشمال الفنانة “شامة الزّاز” واللائحة تطول. هؤلاء النساء اللاتي بصمْنَ بصمتهنّ على مختلف الفنون بنون النسوة واجهنَ كذلك انتقاداتٍ لاذعة لخروجهن عن دور المرأة المألوف والمحصور فقط في خدمة البيت وربّ البيت إلى بناء كيانهنّ المستقل والاعتماد على أنفسهنّ.

قد نتفق على أن السعداوي كانت مثيرة للجدل بتصريحاتها وإساءاتها للإسلام ولزوجات النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وحول موضوع التساوي في الميراث والعديد من المواضيع التي تكلّمتْ عنها، إلا أننا لسنا بآلهة للحكم على “إنسان” – وأضع عدة خطوط تحت هذه الكلمة – فقط من خلال أفكاره. وبما أننا نستدلّ بالقرآن والسنّة في الهجوم على من خالفنا في الدين والرّأي فيجب علينا كذلك التذكّر والتأمّل في الأمر بالمعروف والعمل الصالح، وعدم الإساءة إلى الآخرين حتى لو كانوا أعداءً من خيرة العمل الصالح. فالخالق عز وجل يأمرنا في كتابه الحكيم: ” اِدْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُون”،

وقال أيضًا في مجادلة أهل الكتاب: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ”، وفي آياتٍ أخرى: ” وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ”. كل هذه الأفعال الواردة بصيغة الأمر (اِدفعْ – لا تُجادلُوا) يحُثّنا الله من خلالها على الإحسان في التعامل مع الآخر حتى وإن كان كافرًا بما نؤمن به. وكما يقول المثل الشعبي: “عند سقوط الثور…تكثُر السكاكين”، لهذا دعونا نحترم الموت وقدسيّته، فالحساب بيد الله وهو الأعلم بالنوايا وما تُخفي القلوب لأنه أقرب إلينا من حبل الوريد، والأهم من أن نهاجم أحدًا فالأعقل أن نناقش أفكاره بأفكار وليس بالقذف والشتائم، لأنه وبكل بساطة “كَفَانَا بالموتِ واعِظا”.


شاهد أيضا