عندما يصبح التعليم "عن بعد" وسيلة لتقويض السلطة التقليدية للمدرسة - بريس تطوان - أخبار تطوان

عندما يصبح التعليم “عن بعد” وسيلة لتقويض السلطة التقليدية للمدرسة

ليس التعليم مجرد عمليات بيداغوجية تمارس على محتويات معرفية لتحقيق كفايات نوعية، التعليم أو المدرسة عموما هي ممارسة تربوية تقتضي في منطقها الأصلي تمرين الأطفال على اكتشاف دلالات العيش في الجماعة ضمن نظام سائد يفترض طقوسا وسلوكات فردية وجماعية من شأنها تنمية الاستعداد لجعل الفرد مستقبلا يتقبل التراتبية والقواعد النظامية، واحترام الشفرات التي تشير إلى ماهو مقبول وماهو غير مقبول اجتماعيا وسياسيا وثقافيا..

هكذا تصبح المدرسة هي ذلك الإطار المؤسسي الذي يشرف على تمرير الثقافة بين الأجيال، أي نقل الخبرات والتجارب والتمثلات من جيل إلى آخر، بهذا المعنى فالمدرسة في عمقها تبقى ذات وظائف تقليدية تستهدف استئصال جذور التوحش والتمرد والاستقلالية والحرية الطبيعية للجسد من وجدان الأطفال في سن مبكر لجعلهم مستقبلا في خدمة مختلف الأنظمة الاجتماعية والمعرفية السائدة، من هنا استحالة تغيير العلاقات الاجتماعية دون إجراء تغيير في هذه الوظيفة الكارزمية للمدرسة.

ولعل من حسنات التعليم “عن بعد” انتفاء الإطار المؤسسي الحاضن لوظائف الضبط والمراقبة، واستمرار تمرير المحتويات المعرفية التقليدية وسلطة المدرسين الرمزية التي رغم حضورها فإنها تفقد تدريجيا وهجها لتنتهي في الأخير إلى أصوات شكلية عادية لا تختلف عن تلك التي تمررها الألعاب الالكترونية والفيديوهات التي يتفاعل معها الصغار يوميا..

التعليم “عن بعد” ينفي الرقابة المؤسسية، يحرر الطفل من النظام القاهر لحركته وحريته الجسدية، يسمح له بالتمدد على الأريكة وهو يتابع الدرس، الذهاب إلى المرحاض دون طلب الإذن من أحد، الشرود والعودة إلى التركيز دون أن يعاقبه أحد… في هذه الوضعية يتحرر أولا جسد الطفل، إرادته، دوافعه، ينفلت من العيون الراصدة التي تفرضها عليها وضعية التمدرس بين الجدران الصماء…

التعليم “عن بعد”، من شأنه خلخلة وظائف المدرسة التقليدية، تقويض وظائفها السلطوية، تقليص أثر نفوذ المدرس المدعوم بالحضور المؤسسي، الرفع من قيمة الجسد الخفيف، منح فرصة للمحتويات لكي تغربل وتقرأ ويختار منها الطفل ما يلائم مزاجه وهو في غرفته هادئا يتابع الدروس المرسلة “عن بعد”…

خطورة هذا النمط من التعليم تتجلى في نفيه لكل سلطة مباشرة على عقل ووجدان الأطفال، حتى تسمية “تلميذ” تصبح هنا فاقدة لمعناها الأصلي، ويحل محلها معجم آخر له علاقة بمنطق الفرجة والمشاهدة والتتبع، أي أن التلميذ يصبح مجرد مشاهد لما يجري على ركح الصورة الناقلة للدرس، أو مستمع لدرس يأتيه من الأثير وليس من كيان مؤسسي ملموس..


شاهد أيضا