عمارة المسجد زمن الوباء - بريس تطوان - أخبار تطوان

عمارة المسجد زمن الوباء

المسجد أس التغيير الاجتماعي، شهد على ذلك تاريخ الأمة على مختلف العصور، ولم يضع زعيم إسلامي قدميه على طريق التغيير إلا ووضع المسجد صوب عينيه وفي أولويات أعماله. فالمسجد هو بحق ينبوع الخير، ونور الوجدان وغذاء الأرواح، فيه يرضع الصغار لبن آيات الذكر الحكيم، لبنا صائغا لروح الفطرة وصفاء العقل ولذة العربية لغة الجنة، وفيه يجد الشاب لجام شرته وسلاح الموعظة المنبرية ونفحات السجود وروح التربية، ما يواجه به أصوات الشهوات الجامحة لطيش الشباب، وبين جدرانه تستكمل الرجولة الإيمانية وتصقل بسمو الأخلاق بالدعاء والذكر والسجود والمساواة والمواساة، كجسد واحد صفا مرصوصا، يؤمل منه رص القلوب كما الأجساد، وفيه يجد الشيخ ملاذا يطرد فيه وحدة الكبر ويستعد لخاتمة العمر في حضن بيت نسبه الله إلى نفسه، وأذن أن يرفع ويذكر فيه اسمه، فهل لذبول زهرة العمر أزهى من المسجد حيث تتنزل الرحمات وتنشرح القلوب أمام عظمة الله؟

نزلت الجائحة على الأمة قدرا مقدورا وكتابا مسطورا، وكان لا بد – اتباعا لسنن الله الكونية في الأخذ بالأسباب- النأي عن الإلقاء بالأنفس إلى التهلكة، عملا بأصل الشرع في الحفاظ على الأنفس المقدم على العمل بالسنة المؤكدة في عمارة المسجد أو رص الصفوف، وليس تفريطا في الفرض كما يزعم البعض عن جهل. لكن ما بال الأمة أصبحت زاهدة فيما تبقى من عمارة المسجد تحت مشجب الوباء؟ لم لا نعمر ما فتح من المساجد بدل الجدال العقيم والتلاسن والتساؤل عن صحة الصلاة من عدمها في صفوف مفتوحة وشروط فرضتها الجائحة؟ وهل تراص الصفوف خصوصا في مثل هذه الظروف – وحتى في غيرها – شرطا في صحة صلاة الجماعة؟ أم تقولون ما لا تعلمون؟ ألم تكن هذه الإجراءات موافقة للشرع مبنى ومعنى؟ نعم ربما نجادل في عدد المساجد المفتوحة لبخس حق الأمة في ذلك، لكن القضية الأهم والأخطر هو غياب الأمة عن المسجد والزهد في عمارته تحت مشجب تباعد الصفوف أو غيره، ألا إن عروة الصلاة بالمسجد صمام أمان المجتمع، قبل المدرسة وغيرها من المؤسسات الاجتاعية، لأن المسجد محضن جامع لكل فئات المجتمع، فهو المدرسة الأولى في المجتمع، وضع لبناتها الأولى سيد الوجود محمد صلى الله عليه وسلم كأول أس للدولة الإسلامية بالمدينة المنورة إثر دخوله إليها بعد الهجرة، لأنه كان يعلم بحكمة الوحي ورحمة الرسالة ونبوغ النبوة، أن المسجد صمام أمان المجتمع تربية وتعليما وإعلاما، وإن تعطلت هذه الوظائف اليوم، فليس قصورا أو خفوتا لنور المسجد وإشعاعه، ولكن لنكوص أهله عن عمارته، فهل يكون درس الوباء تنبيها وحافزا للأمة لإعادة النظر في علاقتها بالمسجد؟


شاهد أيضا