عالقون وراء السياج يعيشون التشرد والضياع - بريس تطوان - أخبار تطوان

عالقون وراء السياج يعيشون التشرد والضياع

إذا كان الهدف الرئيس من الإغلاق الشامل للحدود البرية بين المغرب والثغرين المحتلين منذ 13 مارس الماضي، هو تجنب تفشي فيروس كورونا المستجد، حفاظا على السلامة الصحية للمواطنين المغاربة بعدما استبد الفيروس بالجارة الشمالية، فإن آلاف المغاربة اليوم يجدون أنفسهم في وضعية صعبة تشتد مع استمرار إغلاق الحدود، علما أنه لا توجد أي مؤشرات بخصوص إعادة فتحها في 10 شتنبر المقبل، في ظل تزايد عدد الإصابات في مختلف المدن المغربية والإسبانية.

فضحايا إغلاق الحدود يتوزعون بين الداخل المغربي والثغرين المحتلين مع اختلاف معاناة الفئتين، فالفئة الأولى يمثلها نحو 700 عالق مغربي في سبتة ومليلية، بينما الفئة الثانية يمثلها العمال المغاربة بسبتة و”العالقون” في الفنيدق والناظور وضواحيهما منذ خمسة شهور.

مصادر قريبة من ملف العمال المغاربة بسبتة المتضررين من إغلاق الحدود في مدينتي الفنيدق والناظور وضواحيهما، كشفت  أن “عدد هؤلاء المغاربة، الذين يطلق عليهم الإسبان “العمال الحدوديون”، يبلغ نحو 8700 عامل مغربي لا يستطيعون العودة إلى الثغرين للالتحاق بوظائفهم”.

المصادر ذاتها أوضحت، كذلك، أن هناك 3700 عاملة وعامل مغربي يشتغلون في سبتة لازالوا عالقين بالمغرب منذ منتصف مارس الماضي. فيما يبلغ عدد العمال العالقين في الناظور وضواحيها 5000 عامل على الأقل.

وتابعت المصادر أن هؤلاء العمال “تعبوا من مراسلة المسؤولين والوزارات المعنية، ولم يعد أمامهم سوى مناشدة الملك”.

واستطردت المصادر عينها قائلة: “لقد فقدوا بعد توقفهم عملهم، تصوروا أن هناك من اشتغل في سبتة 28 عاما، ولم يتبق أمامه سوى عامين للتقاعد، وفي النهاية يخسر عمله”.

هذا وكانت مندوبية الحكومة الإسبانية بسبتة أعطت الضوء الأخضر للمقاولات وأرباب العمل الإسبان لطرد المغاربة الذين لم يلتحقوا بالعمل في يوليوز الماضي، علما أن الحكومة الإسبانية تعرف أن الحدود مغلقة.

أغلب هؤلاء العمال المغاربة يشتغلون بسبتة في مهن مثل العمل في البيوت، والنظافة، والنجارة، والحدادة، والبناء.. جلهم يدخلون سبتة صباحا ويعودون مساء إلى المغرب.

“جميع المهن التي يمكن تخيلها يشتغلون فيها، كما يتوفرون على عقود عمل وتغطية صحية وتقاعد، ومنهم من يحصل على 20 ألف درهم شهريا”، وفق المصادر نفسها.

كما أن هؤلاء يُدخلون العملة الصعبة إلى المغرب، بحكم أن جزء منهم يحصل على الأجر نقدا دون الحاجة إلى البنك، علاوة على أن هناك من يسحب الأموال من سبتة، و”في النهاية، فإن العملة الصعبة يجري صرفها في المغرب، وعليه، فهذا الأخير يستفيد أيضا”، تؤكد المصادر ذاتها.

العامل (ش.م) بسط معاناة العاملين المغاربة بسبتة والعالقين في الجانب المغربي منذ 13 مارس الماضي قائلا: “طرقنا جميع الأبواب، لكن بدون جدوى. لقد طرقنا باب عمالة المضيق الفنيدق، ووزارة الداخلية، ووزارة الخارجية، ولا من مجيب. لقد وصل العمال إلى درجات لا يمكنني وصفها. لهذا نريد أن نوصل صوتنا مرة أخرى إلى جميع المسؤولين: نحن في حاجة إلى فتح الحدود، والعودة إلى عملنا. إذا بقيت الأمور كما هي، فإن الناس ستتشرد، كما أن هناك أشخاصا يعانون من أمراض مزمنة يعالجون في مدينة سبتة وليس أمامهم (هنا) أي حل للعلاج”، وفق فيديو بثته إحدى القنوات على اليوتوب.

وأضاف المتحدث عينه قائلا: “نحن على أبواب الدخول الدراسي، والناس ليس لديهم ما يشترون به الأدوات المدرسية، والناس الذين يدرسون أبناءهم في الخصوصي لن يكون متاحا لهم فعل ذلك، كما أن المدرسة العمومية ليست لديها القدرة على استيعابهم جميعا”.

وأردف شكيب: “نحن في حاجة إلى العودة في شهر شتنبر المقبل إلى سبتة للعمل لكي نعيل أطفالنا. لقد عانينا في الشهور الخمسة الأخيرة، ولا أحد التفت إلينا.. لهذا نريد أن تصل هذه الرسالة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله”.

متضررة ثانية اسمها سميرة وجهت خطابها إلى رئيس الحكومة سعد الدين العثماني قائلة: “لدينا التزامات، من قبيل الكراء والماء والكهرباء وتدريس الأطفال والكثير من الأشياء. نحن لم نستفد من الدعم المالي الذي خصص للشعب المغربي، ولا نعرف واش حنا مغاربة أو لا، لأنه لدينا الضمان الاجتماعي وعقود عملنا في سبتة، واليوم لا نعمل (بعد إغلاق الحدود). نحن في أمس الحاجة إلى فتح الحدود في شهر شتنبر”.

عاملة ثالثة بسبتة تدخلت قائلة: “نحن من الفئة المحتاجة بعدما فقدنا العمل منذ خمسة شهور، ونحن اليوم في حاجة إلى العودة إلى عملنا بسبتة في شتنبر. لقد تعبنا من مراسلة المسؤولين، واليوم نتوجه إلى جلالة الملك”. عامل رابع يدعى قيس قال: “نحن في حاجة إلى من يحس بنا. منذ خمسة شهور ونحن نعاني، ولا نعرف ما يمكن القيام به، وكيف سيكون مصيرنا. التفتوا إلينا قبل فوات الأوان”.

نور، ابنة أحد العاملين المتضررين، لخصت أزمة كل العمال وذويهم قائلة: “خاص بابا يرجع الخدمة ديالو باش نرجع أنا لمدرستي باش يبقى يشري لي الأشياء التي أحتاجها”.

سلوى، عاملة أخرى في سبتة، قالت: “أعاني من مرض مزمن وكنت أعالج في سبتة، ومنذ إغلاق الحدود توقفت عن الخضوع للعلاج، والمرض بدأ يتسرب إلى جسمي ويتسبب لي في الآلام”.

البقالي حسن، رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية دار الطالب بالفنيدق وعالق سابق في سبتة، أكد، أيضا، أن عدد العمال المغاربة المتضررين من إغلاق الحدود مع سبتة يتجاوز 3700 عامل.

وأبرز ، المتحدث أنهم “كانوا يدخلون ويخرجون من سبتة بشكل يومي. وبعد إغلاق الحدود، ظلوا عالقين في المغرب، وإلى حدود الساعة لازالوا يطرقون جميع الأبواب. وهؤلاء يتمنون إعادة فتح الحدود للعودة إلى أعمالهم في سبتة، لأن أغلبهم يمكن أن يكونوا فقدوا وظائفهم، أو على الأقل قد يفقدون سنوات الانخراط في الضمان الاجتماع، لأن حكومة سبتة خرجت بتصريح في 10 يوليوز تقول فيه إذا لم يعد العمال إلى وظائفهم قبل 15 يوليوز يمكن أن يفقدوا عملهم”.

عالقون وراء السياج 

إلى حدود صباح الأربعاء الماضي (19 غشت)، لا يبدو أن ملف نحو 700 عالق مغربي في سبتة ومليلية سيجد طريقه إلى الحل، إذ إن الحكومة المغربية لازالت متشبثة بقرار إغلاق مختلف المعابر الحدودية مع الثغرين إلى غاية 10 شتنبر، كما أن الحكومة الإسبانية، بدورها، مددت الإغلاق الشامل المؤقت للمعابر ذاتها إلى غاية فاتح شتنبر المقبل.

ولا يعرف مجموع العالقين الباقين في سبتة بعد ترحيل 285 عالقا أيام 22 و23 و42 ماي المنصرم، قبل أن تُعلق العملية إلى أجل غير مسمى. وفي ظل رفض السلطات المغربية إعادة فتح المعابر، ولو استثنائيا، تزايد عدد العالقين الذين يعبرون سباحة إلى الجانب المغربي، بحيث عاد ما يقارب 50 عالقا.

كما قامت السلطات المغربية في منتصف ماي الماضي بترحيل 203 عالقين مغاربة من مدينة مليلية، فيما لازال نحو 400 عالق فيها تقريبا، وفق مصادر الجريدة من مدينة الناظور، ينتظرون منذئذ إعادة فتح الحدود. وهناك من استطاع العودة من خلال السفر من سبة إلى مالقة ثم طنجة، ما كلف كل واحد مبلغ 6000 درهم.

لكن الأغلبية بقيت في سبتة ومليلية، بحيث يبدو أن غيابهم عن ذويهم سيطول بعد سحب المغرب من القائمة الأوروبية للدول الآمنة.

وبعيدا عن الأرقام، تبقى قصة العالقة المغربية (ن) صورة مصغرة لمعاناة مئات المغاربة العالقين في الثغرين المحتلين بعدما وضعت حملها بعيدا عن زوجها وعائلتها وحيدة، بل أكثر من ذلك، حرمت رضيعتها من حضن الأب. في هذا تعبر (ن) العالقة بسبتة في دردشة مع الجريدة عن معاناتها قائلة: “أنا لا أشتغل في سبتة؛ جئت إلى هنا ضيفة لدى عائلتي. وبعد إغلاق الحدود تحولت إلى عالقة. في البداية، كنت أعيش مع قريبة لي، وبعد 25 يوما من إغلاق الحدود أنجبت طفلة. وهذه أول ولادة بالنسبة إلي”.

وتابعت: “بعد الولادة بدأت المعاناة تزداد أكثر فأكثر؛ كما بدأت قريبتي تتعب منا، وفي النهاية طردتنا من بيتها، بحيث وجدت نفسي يوم 26 رمضان بدون مأوى. وبدأنا نبحث عن مكان نستقر فيه إلى غاية فتح الحدود، ووجدنا أسرة منحتنا غرفة”.

كما قالت إن المسؤولين الإسبان لم يسمحوا لها بالعيش مع باقي المغاربة في الأماكن المخصصة للعالقين، لأن لديها رضيعة. “في الحقيقة، نعاني كثيرا من الحرارة، أنت تعرف ماذا يعني أن تكون لديك رضيعة في هذه الظروف. طفلتي لم تعش بداية حياتها كما يجب، بل أكثر من ذلك أنجبت بعملية قيصرية. إنها المعاناة يوميا”، تشرح العالقة المغربية.

البقالي حسن، العالق السابق قبل أن يعود إلى الفنديق، يحتج قائلا: “إلى حدود الساعة لا يزال هناك مغاربة عالقون في سبتة، ولا نعرف السبب. في كل مرة يقال لنا اليوم سيعودون، ثم غدا، لكن لا شيء. لحسن حظي كانت عندي إمكانية العودة عبر السفر من سبتة إلى مالقة، ومن مالقة إلى طنجة في رحلة جوية. لكن هناك نساء ورجال مغاربة في سبتة ليس لديه المال الكافي وحتى جواز السفر للعودة إلى المغرب عبر مالقة. لهذا فإنهم لا يزالون عالقين”.

ويوجد في سبتة حاليا نحو 300 عالق مغربي، من بينهم نحو 54 امرأة في مستودع قديم لبيع الخمور بسبتة. “هؤلاء العالقات تعشن ظروفا قاسية تحط من كرامتهن. وهناك مغربيات متقدمات في السن، ومن يعانين من أمراض مزمنة، يصعب عليهن مواصلة العيش في مستودع سقفه من الزنك في منطقة تصل فيها الحرارة إلى 39 درجة أحيانا. عشت معهم جزءا من المعاناة وأعرف “الحكرة” التي يشعر بها من هو في ذلك الوضع”.

بريس تطوان/المصدر


شاهد أيضا