عادل بنونة: “الفئران السياسية” تهدد مناعة الدولة وتعمّق أزمة الثقة

بريس تطوان

قدّم الفاعل السياسي والنقابي، عادل بنونة، قراءة تحليلية للوضع السياسي والاقتصادي الراهن، مؤكدا أن الأزمات الكبرى لا تنفجر بشكل مفاجئ، بل تتشكل تدريجيا عبر اختلالات صغيرة تتراكم داخل بنية الدولة ومؤسساتها.

وأوضح بنونة أن المشهد العام يعكس وجود تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية متشابكة، في ظل تنامي شبكات الانتهازية والريع وتضارب المصالح داخل بعض المفاصل، وهو ما أدى، بحسب تعبيره، إلى تحويل جزء من المرفق العمومي من فضاء لخدمة الصالح العام إلى آلية لإعادة إنتاج الامتيازات وحماية المصالح الخاصة.

وسلط المتحدث الضوء على ما وصفه بظاهرة “الفراقشية”، معتبرا إياها نموذجا يعكس اختلالات بنيوية عميقة تتجاوز بعدها الظرفي أو التجاري، وتطرح أسئلة مرتبطة بشفافية تدبير المال العام، وعدالة توزيع الدعم العمومي، واحترام قواعد المنافسة الحرة كما ينص عليها الدستور.

وحذر بنونة من خطورة هذه الاختلالات، التي لا تقتصر، حسب قوله، على استنزاف الموارد المالية، بل تمتد إلى تقويض الثقة في المؤسسات وإضعاف مناعة الدولة، بما يشبه “فيروسا سياسيا” يهدد التوازن المؤسسي ويؤثر على التعاقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.

وفي سياق حديثه عن الدعم العمومي واستيراد المواشي وسلاسل القمح والأعلاف وقطاع المحروقات، أشار إلى وجود مستويات من التركيز الاقتصادي داخل قطاعات حيوية، حيث تتداخل أدوار الإنتاج والاستيراد والتوزيع لدى بعض الفاعلين، الأمر الذي يحدّ من المنافسة ويخلق وضعيات هيمنة اقتصادية، بما يتعارض مع مقتضيات الدستور المتعلقة بمحاربة الاحتكار والريع.

وأضاف أن تحويل الدعم العمومي، الذي يفترض أن يوجه لحماية القدرة الشرائية وضمان الأمن الغذائي، إلى آلية لإعادة إنتاج الثروة لفئات محدودة، يطرح إشكالا عميقا يمس جوهر العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

كما اعتبر أن ضخ مليارات الدراهم في شكل إعفاءات أو دعم مباشر دون أثر واضح على الأسعار أو الإنتاج الوطني أو الأمن الغذائي، يستوجب تفعيل آليات صارمة للمراقبة والتقييم والمحاسبة، وفقا لمقتضيات الدستور والقوانين المنظمة للمالية العمومية.

وفي الشق السياسي والاجتماعي، شدد بنونة على أن تراجع الثقة في المؤسسات يتغذى من الشعور المتزايد بالإقصاء، خصوصا في صفوف الشباب، في ظل تفاقم البطالة وصعوبة الولوج إلى الفرص، وما يرافق ذلك من ارتفاع العزوف الانتخابي وتراجع الإيمان بجدوى الفعل السياسي.

وأشار إلى أن ضعف تفعيل آليات الرقابة البرلمانية وتعثر أدوات تقييم السياسات العمومية يعمق هذا الإحساس، ويكرس الانطباع بأن المجال العام لم يعد فضاءً للتنافس الديمقراطي بقدر ما أصبح ساحة لتبادل المصالح وإعادة إنتاج النفوذ.

واستحضر بنونة في تحليله ما تؤكده أدبيات علم الاجتماع السياسي، من أن تراجع الدول لا يحدث بشكل مفاجئ، بل بشكل تدريجي، عندما تتحول الإدارة العمومية إلى أداة لخدمة شبكات المصالح، وتُقصى الكفاءات لصالح الولاءات.

وختم تصريحه بالتأكيد على أن حماية الدولة لا تتحقق فقط عبر المقاربة الأمنية، بل أيضاً من خلال ترسيخ العدالة الاقتصادية والشفافية وتكافؤ الفرص، مبرزاً أن الدولة الاجتماعية كما ينص عليها الدستور لا يمكن أن تستقيم في ظل اقتصاد الريع والاحتكار.

واعتبر أن مدخل الإصلاح يمر عبر تعزيز استقلالية مؤسسات الحكامة، وتوسيع الرقابة البرلمانية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان شفافية تدبير المال العام، بما يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويحول الأزمات إلى فرصة لتجديد التعاقد الاجتماعي وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.