عادة أهل تطوان في المأتم - بريس تطوان - أخبار تطوان

عادة أهل تطوان في المأتم

بريس تطوان

من عادة أهل تطوان أن يتم تشييع الجنازة بعد أداء صلاة العصر مباشرة، وإذا كانت الوفاة بعد العصر، فإن الجنازة لا تشيع إلا بعد عصر اليوم علي، إلا إذا كان الفصل صيفا، وخيف على جثمان الميت من التأثر بالحرارة، فإن الدفن يقع حينئذ بعد صلاة الظهر من اليوم الموالي للوفاة.

وفي القديم، كان القائم على الجنازة يذهب إلى أحد الكتاتيب القرآنية “المسايد”، فيطلب من الفقيه أن يسمح بإطلاق تلاميذه حضور الجنازة، كما يدفع له تعويضا ماليا عن ذلك.

وهكذا كان الأطفال يحملون صناديقهم الخاصة بحفظ الصمغ والأقلام القصبية التي يكتبون بها، كما يأخذون المصاحف، فيضعونها على رؤوسهم، ويقصدون منزل الجنازة، حيث يتقدمون الموكب، وهم يرددون قولهم:

آمولانا يا رحمن جود علينا بالغفران *** قدمنا لك العدنان سيدنا رسول الله

بينما يردد الكبار بعدهم:

(سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ملء ما علم وعدد ما علم وزنة ما علم).

ومن العادة أن الفقيد إذا كان أعزب (أو عزباء)، فإن الأهل يخرجونه من بيته بمراسيم وكأنه يزف إلى قبره، حيث يطلقون الزغاريد، ويرفعون اصواتهم بالسلام على النبي قائلين: (السلام على رسول الله، لا جاه إلا جاه سيدنا محمد، الله مع الجاه العالي) كما يرددون قول الشاعر:

تشفع يا رسول الله فينـا *** فما نرجو الشفاعة من سواك

أغث يا خير خلق الله قوما *** ضعافا ظلهم أبـدا لـــواك

وأسرع في إغاثتنا فإنـا نرى *** المولى يسارع في رضـاك

ويجتمع الأهل والأقارب والأصحاب في بيت الجنازة، فيجلس النساء داخل البيت، بينما يدخل فريق من طلبة القرآن الكريم لتلاوة القرآن وترديد أبيات البردة على جثمان الفقيد قبل أذان العصر. ويتجمع الرجال خارج البيت، جالسين على كراسي خاصة تعرف باسم “بوشبارات”، حيث يتلقون العزاء من الوافدين عليهم لحضور الجنازة. وبعد صلاة العصر، يتم إخراج الميت، وتسير الجنازة غالبا بذكر المشيعين لأذكار غالبا ما تكون صادرة عن الفئة الصوفية التي ينتمي إليها الفقيد، وذلك صرفا للناس عن الخوض في اللغو والحديث الفارغ في لحظة ينبغي فيها أن يسود نوع من الخشوع وتذكر الخاتمة الحتمية لكل البشر.

ويصل الموكب إلى المكان المخصص للصلاة في مدخل المقابر، فيصلون على الميت، ثم يتم دفنه في قبره المعد له. بعد ذلك يصطف أهل الفقيد لتقبل العزاء من المعزين، مع توزيع الخبز المعد للصدقة على الميت، ثم يرجعون إلى بيت الجنازة لكي يتقبلوا العزاء من جديد.

أما عبارات العزاء فهي كالتالي: الله يعظم الأجر – عظم الله أجركم – الله يبدل المحبة بالصبر – الله يجعل فيكم البركة – الله يصبركم – الله يجعل البركة ف د باقي … إلخ.

أما الجواب على ذلك فيكون بما يلي: أجرنا وأجركم – الله لا يوريكم شر – الله لا يمشيكم ف غيار – بارك الله فيكم – الله يجعل اقدامكم الله – إلخ.

أما النساء، فلا يصاحبن موكب الجنازة، ولا يحضرن مراسيم الدفن ولا غيره، وإنما يجلسن في بيتهن، مرتديات جلاليبهن ومغطيات رؤوسهن، والقريبات من الميت يلتحقن ببيت الجنازة باكرا، ويجلسن صامتات في صف العزاء منذ الصباح. وفي منتصف النهار، تأتي أواني الشوربة التي يعدها بعض القريبات، فتوزع على الحاضرات، وقد توزع عليهن أيضا كميات من البيض المسلوق.

أما البعيدات فلا يحضرن إلى بيت الجنازة إلا بعد صلاة الظهر بقليل، أي قبل صلاة العصر. ويمتلئ البيت بالنساء، وبعدما ينطلق الموكب الجنائزي المكون من الرجال، ينتظر النساء قليلا، ثم تقول إحدى القريبات: “عملوا فاتحة”، فيقرأن الفاتحة بصوت خافت، ويدعون للميت ولأهله، وقد وزع عليهن خبز أو خبز وتين جاف، فتأخذ كل واحدة تينة أو أكثر من لقمة مع ذلك الخبز وإن كانت صغيرة، على اعتبار أن أكل خبز الجنازة يعود على أكله بالثواب والأجر.

أما النساء الفقيرات، فإنهن يتقاطرن على بيت الجنازة، حيث توزع عليهن خبزات كاملة. ثم تنصرف النساء، فلا يبقى بالبيت إلا قريبات الهالك.

بعد ذلك، تبدأ أيام “التفريق”، وهي أيام العزاء التي يتكلف الرجال أثناءها بالحضور عند قبر الفقيد في الصباح الباكر، ثم بعد صلاة العصر، لتلاوة القرآن والدعاء له، وذلك ما يعرف بـ “الملازمين” لملازمتهم الحضور عند القبر طيلة تلك الأيام، إلى اليوم الخامس، وهو يوم التفريق، حيث يجتمع الناس عند قبر الميت، ويقرأون القرآن، ويتغنون بمدح الرسول عليه الصلاة والسلام بتلاوة قصيدة البردة للإمام البوصيري في الغالب، كما يقع توزيع كميات من الخبز على الفقراء، من صدقة على روح الفقيد.

ويظل باب البيت مفتوحا طيلة أيام “التفريق”، حيث تجلس قريبات الفقيد في غرفة الاستقبال الرئيسية بالبيت، ويكون جلوسهن بكيفية تراعى فيها قرابتهن للهالك فوالدته هي التي تجلس أولا، ثم زوجته وبناته وأخواته، ثم باقي قريباته من عماته وخالاته وزوجات إخوانه… إلخ، وإن كانت هناك قريبات كبيرات في السن، فقد تتقدمن البنات أو الأخوات، ویکون لباس الجميع – حتى أهل البيت – هو الجلباب، مع غطاء الرأس، كما تتجرد النساء اللاتي يستقبلن العزاء من كل أنواع الحلي والزينة.

وهكذا يقع استقبال المعزيات من النساء اللاتي يدخلن في هيئة ووقار وهدوء وسكينة إلى الغرفة الرئيسية بالمنزل، فيجلسن أمام قريبات الفقيد الصامتات، دون سلام ولا كلام، وإنما يكتفين بأن يومئن برؤوسهن معزيات، دون أن ينبسن بنت شفة، وبعد برهة، يصرفن في حال سبيلهن، مومئات بنفس الكيفية دون أي كلام، بمعنى أن بيت العزاء يسوده صمت مطبق أما إذا أرادت إحداهن أن يسمع صوتها بالعزاء، فإنها تذكر إحدى الجمل التي ذكرناها سابقا في عزاء الرجال وقد تزيد عليها قوها مثلا: “الله يبدل المحبة بالصبر” أو قولها: “ما عبيتو ف الغيار غير حقكوم” أي لم يصبكم من الحزن إلا نصيبكم، بمعنى أننا قد أخذنا معكم نصيبا في ذلك أيضا، وقد شاطرناكم أحزانكم.

وتمتد فترة العزاء، وهي ما يعرف أيضا بأيام التفريق، لمدة خمسة أيام، ينعقد بعدها (التفريق)، وهو تجمع رجالي عند قبر الميت للدعاء له والترحم عليه، أما النساء، فإنهن يعملن على رش القبر وتبخيره وتغطيته بأنواع الزهور والورود، ثم يجلسن حواره للإنصات إلى تلاوة القرآن الكريم، وإلى التغني بقصيدة البردة، وقد يقام هذا التجمع في إحدى الزوايا كالزاوية الريسونية أو الحراقية مثلا، بالرغم من كون الفقيد قد دفن في المقابر العامة، وحينها تكون زيارته صباحا، لتخصيص العشية للزاوية، وقد ينتهي بذلك المأتم، وقد تضاف إلى ذلك ثلاثة أيام أخرى، لتستكمل فترة العزاء ثمانية أيام، مما يعبر عنه بتثنية التفريق.

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ. حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا