عادة أهل تطوان في المأتم (2) - بريس تطوان - أخبار تطوان

عادة أهل تطوان في المأتم (2)

بريس تطوان

وخلال هذه الجلسات الطويلة، تجلس قريبات الفقيد مصطفات بحسب قرابتهن له كما ذكرنا، وهن قابضات على السبح بين أيديهن، يسبحن ويخرجن “الفدية” – وهي ترديد 70,000 من الهيللة، أو 11,000 من سورة الإخلاص، أو 33,000 من قولهن (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، يتعاون عليها جميعا، لكي يختمنها بطريقة جماعية، عند نهاية مجلسهن في كل ليلة، بتلاوة سورة ياسين وسورة الملك والإخلاص والمعوذتين والدعاء للميت بالرحمة والمغفرة.

ومن مظاهر التكافل الاجتماعي في مثل هذه المناسبات، أن أهل الميت لا يطبخون طعاما في أيام “التفريق”، لا للتأثر ببعض الثقافات المجوسية أو الوثنية كما يدعي البعض، وإنما لكون النساء يقضين طوال الوقت جالسات لاستقبال المعزيات، ثم لكون أهل الميت قد يكونون في ظروف مادية ومعنوية لا تسمح لهم بإعداد الطعام والتهييء للأقارب الذين لا يفتأون يرتادون المنزل من أجل تقبل العزاء، ثم إن الأهل والأحباب يجدونها فرصة للوقوف بجانبهم في محنتهم، فهم يتعاونون على تهييء الطعام وإرساله إلى أهل الميت، جاهزا مهيأ في صحونه المناسبة، فلا يتكلف هؤلاء إلا بتقديمه لمن يحضر معهم في البيت خلال تلك الأيام، علما بأن هؤلاء الذين يهيئون الطعام، هم الذين يحضرون أصلا في بيت العزاء ليؤنسوا أهل الميت وليشاركوهم مجالسهم وليملأوا عليهم فراغ الوحشة بعد فراق فقيدهم. خاصة وأن هذا الطعام يكون متكاملا، من لحم أو دجاج أو سمك، مرفوق بالخبز، وكان من العادة أن يحمل كل ذلك في “المايدة” الخشبية ذات الغطاء المخروط، إذ يوضع الصحن الكبير المحتوي على الطعام السخن في وسطها، ثم تصفف الخبزات الخمس أو الست على مدار ذلك الصحن، ويحمل الجميع من طرف الحمال إلى بيت الجنازة في وقت الأكل. وقد تفنن المتأخرون في تقديم ذلك، فأصبحوا يرفقونه بأنواع السلطات والفاكهة، وقد يزيدون على ذلك مشروبات وحلويات وزوائد لا موجب لها.

وفي المساء، وبعد توقف ورود المعزيات، تقدم للقريبات الباقيات ببيت العزاء كؤوس الشاي الذي يعد في المطبخ، مرفوقة بقطع الخبز المدهونة بالزبدة أو الجبن البلدي. وبعد انتهاء أيام العزاء، تكون أول مناسبة لزيارة قبر الفقيد هي أول خميس موال لأيام العزاء، حيث تتوجه النساء إلى القبر من جديد، ويقرأن القرآن على الفقيد، ويعتنين بتنظيف القبر وتزيينه بالزهور، وهكذا تتوالى الزيارات كل خميس إلى أن تمر فترة معينة قد تصل إلى السنة.

ثم إن أهل الميت يكونون في فترة حداد عليه، تعرف بفترة (الوقار)، خاصة أقرب أقاربه، فلا يغيبون عن زيارة بيته وأرملته وأولاده، لمواساتهم ولقضاء حوائجهم الضرورية، وللاستفسار عن حالتهم قائلين: (كيف انتم مع الوحش الدايم؟) – أي كيف حالكم مع الشوق المستديم لفقيدكم الذي ذهب ولن يعود؟ – إلى أن يصل موعد إحياء ذكراه الأربعينية، التي تعقد عند مرور نيف وثلاثين يوما من وفاته، فيقع إعلام الأهل والأقارب، الذين يدعون لتناول طعام الغداء مجتمعين، يكون ذلك الأكل عبارة عن كسكس بالدجاج أو اللحم والبصل والحمص والزبيب، فتعد منه أطباق متعددة، يتصدق منها على الفقراء والمساكين من طلبة وحفظة القرآن الكريم، صدقة وعلى روح الفقيد، الذي يدعون له بالمغفرة والثواب.

ثم إن جنازة الأطفال الرضع تختلف عن جنازة الكبار في عدة أشياء، حيث لا ترتدي النساء أثناء مدة العزاء الجلاليب، بل يرتدين اردية على رؤوسهن فقط، كما أنهن لا يخصصن للعزاء إلا ثلاثة أيام، لا يستقبلن فيها طعام الأهل، لأنهم يعتبرون ذلك فألا سيئا على الكبار من أهل الدار.

ثم إن من عادة المرأة المعتدة أن تلبس اللباس الخالي من كل مظاهر الزينة، وبذلك فإن كل لباسها يكون أبيض ناصعا، من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، ويسمى هذا اللباس ب “الرقائع”، كما تسمى فترة العدة بفترة “الرقايع”؛ ويرجع الأمر في لبس البياض بمناسبة الحزن إلى ما كان معمولا به في الأندلس، حيث قال أحد الشعراء:

ألا يا أهل أندلس فطنتـم  *** بلطفكم إلى شيء عجيـب

لبستم في مآتمكم بياضـا  *** فجئتم منه في زي غريـــب

صدقتم فالبياض لباس حزن ***  وهل حزن أشد من المشيب؟

ومن المعتقدات السائدة أن السيدات من قريبات الميت، إذا قضت الواحدة منهن الليلة  الأولى في بيت “التفريق”، فإنه يتحتم عليها أن لا تبيت إلا فيه طوال الأيام الباقية من العزاء. وإلا فإن ذلك يعود عليها بالفأل السيء!!

كما أنه من العادة أن الأواني التي يأتي فيها الطعام إلى أهل الميت، إما أن تفرغ وترجع إلى صاحبها في حينها، وأما إذا مرت عليها الليلة في بيت العزاء، فلا ينبغي أن تخرج منه إلا بعد انتهاء أيام “التفريق”.

ثم إنه من عادة أهل الميت الذين يستقبلون العزاء، أن لا يصاحبوا المعزين عند انصرافهم إلى باب المنزل، لأن مصاحبة الزائرين تدل على رغبة صاحب المنزل في أن يعود زائره لزيارته، مع أن مناسبة الزيارة من أجل العزاء لا يكون مرغوبا في تكرارها. علما بأن القريبات من أهل الفقيد يكررن الحضور إلى بيت العزاء يوميا، صباحا ومساء، ويجلسن في صف العزاء حسب قرابتهن للفقيد أو الفقيدة، صامتات متقبلات للعزاء من الزائرات، وفي اليوم الأخير (يوم التفريق) ينسحبن بصورة شبه متخفية، أي إنهن يحاولن التسلل دون توديع أهل البيت، حتى لا يتعرضن للحظة الوداع التي توقظ مشاعر الحزن والأسى وتذكر الفقيد الذي يتقبلون فيه العزاء.

كما أنه من العادة أن يكون منزل المرأة المعتدة من الوفاة مقصدا للزائرات من قريباتها طيلة مدة عدتها، لمؤانستها والتخفيف عنها، حتى تنتهي المدة، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، طبقا للشريعة الحنيفة، فيقع حينئذ ما يعبر عنه ب “غسل الرقايع”، أي إزالة الملابس البيضاء الخاصة بالعدة والحداد، واستبدالها بالملابس اليومية العادية.

وعند انتهاء مدة العدة بالنسبة للمرأة التي توفي زوجها، تأتي قريباتها وصديقاتها ليواسينها من جديد، وذلك بعبارة خاصة هي قولهن: “في سبيل الله”، أي تقبل الله منك ما قضيته من هذه المدة التي خصصتها للحداد على زوجك. ولا يقدم أثناء هذه الزيارة للزائرات شاي ولا غيره، بل يكتفى باستقبالهن، حيث يجلسن مدة غير طويلة، ثم ينصرفن.

إلا أن هذه العادات التي تحدثنا عنها، قد تغيرت الآن كثيرا، وخاصة بين النساء، حيث ضاعت الكثير من المعاني التي كانت ترمز إليها، فأصبح العزاء بكيفية مخالفة تماما لما كان عليه في القديم، إذ قد تدخل المرأة للعزاء، فتسلم على أهل البيت ومن معهن، بالعناق والقبلات المتكررة، وتعزي بصوت مرتفع، وتجلس للحديث مع من تجاورها، حتى يصبح بيت العزاء وكأنه بيت احتفال، تلهو كل واحدة فيه بالحديث مع جارتها، وقد يسود الحديث ضحك أو قهقهات أحيانا؟؟؟

وضاع الجانب التضامني في توفير الأكل الضروري لأهل الميت، وبرز جانب التفاخر والتباهي، بإحضار ما لذ وطاب من المأكل والمشارب، والفواكه والمشروبات والحلويات، بل إن الأمر أصبح موكولا للممونين المأجورين الذين يكلفون بإعداد الأطباق المختلفة حسب المستويات وحسب الرغبات – ويحملونها إلى بيت العزاء بتكليف ممن يرغب في ذلك.

وضاع جو الحزن الذي كان يسود بيت العزاء، حتى إنه يصبح بعد خروج المعزيات وكأنه بيت عرس، تقدم فيه كؤووس الشاي لقريبات الهالك وزوجته، مع العديد من المملحات والمعجنات والملفوفات والحلويات التي ترد من طرف الصديقات والقريبات اللاتي يتجمعن ويتحدثن بدون أي حرج، إلى أن يتفرقن بعد أذان المغرب أو العشاء بمدة، وقد يبقين بالمكان لتناول طعام العشاء، ولمتابعة السهرة إلى منتصف الليل؟؟. وبعدما كان الأكل المقدم لأهل الميت مقتصرا على طبق دجاج أو لحم أو سمك، أصبح الأمر متجاوزا إلى تقديم أنواع البسطيلات والمحنشات والسلطات المشكلة والحلويات، مما جرت العادة بتقديمه على موائد الاحتفالات بالمناسبات السعيدة التي تغمرها الفرحة … ولا حول ولا قوة إلا بالله.

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ. حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا