طقس «حيروه».. حين يرقص الجسد الأنثوي في الجبل حتى يغيب عن الوعي!

​في عمق الثقافة الجبلية المغربية، لا يُشكل العرس مجرد مناسبة اجتماعية للاحتفال، بل هو مساحة زمنية ومكانية استثنائية تُفتح فيها الأبواب لعوالم خفية من التعبير الإنساني. وفي قلب هذا الاحتفال، يبرز الفضاء النسائي المغلق كعالم موازٍ، مستقل تماماً عن سلطة الرقابة الاجتماعية والذكورية. داخل هذا الفضاء الخالص، يتحول “الشطيح” (الرقص) من فعل بهجة عابر إلى طقس أنثروبولوجي وعلاجي عميق، تتداخل فيه الموسيقى بالجسد، والوعي باللاوعي.

​فضاء التحرر من الأقنعة اليومية:

​تعيش المرأة في المجتمعات التقليدية تحت وطأة التزامات اجتماعية وأدوار صارمة تفرض عليها قدرا عاليا من التحفظ والتحكم في الجسد والانفعالات. لكن بمجرد دخولها إلى فضاء العرس الجبلي المغلق، وبمجرد غياب أعين الرجال، تسقط كل تلك الأقنعة والقيود.

​يتحول المكان إلى “ملاذ آمن” ووطن بديل تتساوى فيه النساء؛ حيث يذوب الفارق الطبقي والعمري، ويصبح الجسد الأنثوي، الذي كان محاصراً بالتحفظ طوال العام، أداة التعبير الأولى والوحيدة. إنها مساحة مخصصة للتحلل من ثقل الحياة اليومية، حيث يُسمح للمكبوت النفسي والعاطفي أن يطفو على السطح دون خوف من أحكام أو لوم.

​”حيروه”.. الإيقاع السحري والتنويم الجماعي:

​لا يمكن فهم طقس الرقص الجبلي دون التوقف عند المحرك الأساسي له: الموسيقى والإيقاعات المتسارعة (التعريطة والوجبة الجبلية). وفي هذا السياق، تبرز أغنية “حيروه” كأيقونة ومحفز سيكولوجي جماعي.

​المثير للدهشة في هذه الأغنية تحديداً هو تحولها إلى ما يشبه “العرف الفرضي”؛ فبمجرد أن تبدأ ألحانها وتتصاعد دقاتها، تسري في المكان حالة من العدوى الحركية الشاملة. لا يهم إن كانت المرأة شابة أو مسنة، متعبة أو نشيطة، فالجميع يلبين النداء وينهضن للرقص كأن هناك نداءً خفياً يوجههن.

​تتحول الكلمات المكررة والإيقاع الرتيب السريع إلى “مانترا” (تعويذة) موسيقية تُدخل الحاضرات في حالة من التنويم المغناطيسي الجماعي. تلغي الموسيقى الزمن والجهد البدني، ويصبح الجسد مجرد صدى لتلك الدقات المتلاحقة.

​من “الشطيح” إلى “الجذب”: عندما تتكلم الأرياح:

​مع استمرار الرقص وتصاعد وتيرة إيقاع “حيروه”، ينتقل الفعل من “الشطيح” الأفقي العادي إلى حالة أرقى وأكثر تعقيداً: الجذب.

​هنا، ينفصل الجسد عن السيطرة العقلانية الواعية. تبدأ بعض النساء بالدوران أو الهز العنيف برؤوسهن وشعورهن، متجاوزات حدود الطاقة البشرية المعتادة، حتى يصلن إلى نقطة الذروة (Ectasy) حيث يسقطن أرضاً مغشياً عليهن. في القاموس الشعبي الجبلي، يُصطلح على هذه الحالة بـ “شدوها الأرياح” أو “دخلها الضيم”.

​من الناحية الأنثروبولوجية والنفسية، فإن “الأرياح” هنا ليست مجرد كائنات غيبية في المخيال الشعبي، بل هي تجسيد رمزي للطاقات النفسية الحبيسة والضغوط المتراكمة. إن السقوط مغشياً عليها ليس علامة ضعف أو مرض، بل هو نقطة التحرر القصوى، أو ما يُعرف في علم النفس بـ “التفريغ الانفعالي” (Catharsis). الجسد هنا يرفض الكلام باللغة المعتادة، فيختار أن يتكلم بالاهتزاز والسقوط، مفرغاً كل شحنات التعب، الحزن، والكبت التي تراكمت على مدار شهور وسنوات.

​العرس كجلسة علاج نفسي جماعي:

​أجمل ما في هذا الطقس هو البعد التضامني والإنساني الذي يرافقه. عندما تسقط امرأة “مشدوة بالأرياح”، لا يقابلها المجتمع النسائي بالاستهجان أو الخوف، بل بالاحتضان والرعاية الفورية. تتسارع النساء لتغطيتها بـ “السبنية”، ويقمن بتهويتها وحمايتها من عيون المتطفلين، ويهمسن في أذنها بعبارات التهدئة والذكر.

​هذا التضامن يحول فضاء العرس إلى مصحة نفسية جماعية سريّة. تعود المرأة بعد هذا الإغماء (أو الموت الرمزي المؤقت) وكأنها وُلدت من جديد؛ حيث تنهض صافية الذهن، خفيفة الروح، بعد أن تركت كل “أرياحها” وثقلها النفسي على الأرض.

​خاتمة.

​إن طقس الشطيح والجذب على أنغام “حيروه” في الأعراس الجبلية النسائية ليس مجرد فلكلور شعبي للمتعة البصرية، بل هو آلية دفاعية وعبقرية ابتكرتها المرأة الجبلية لتوازن بها صحتها النفسية والروحية. إنه إعلان صارخ عن قوة الجسد وقدرته على التحرر، وتأكيد على أن مجتمع النساء كان، ولم تزل غرفه المغلقة، الفضاء الأكثر صدقاً وأماناً للتعبير عن الذات في أبهى وتجلياتها الفطرية.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.