شفشاون ملتقى الأديان - بريس تطوان - أخبار تطوان

شفشاون ملتقى الأديان

بريس تطوان

على الرغم من بغض أهل شفشاون للاستعمار الإسباني ومقاومته بشتى الوسائل والطرق، إلا أنهم تعايشوا مع المستوطنين اليهود والإسبان المسيحيين في ود واحترام دون أن يمسهم سوء أو تصيبهم إذاية لأن أغلبهم كانوا من الطبقة الفقيرة، حرفيين أو صناعا أو تجارا صغارا، أو موظفين في الإدارة الإسبانية. كانوا لا يشعرون بأي تمييز وسط المجتمع الشفشاوني إلى درجة أنهم كانوا يتبادلون الهدايا في الأعياد الدينية كالحلويات التي تعد في مثل هذه المناسبات وغيرها، أو حضور الحفلات التي تقيمها كل طائفة منهم، على الرغم من السلوك الذي كان ينهجه المستعمر الإسباني بالتمييز بين المواطنين المغاربة وبين المستوطنين الإسبان بعد أن احتل مدنهم وقراهم.

كان أغلب اليهود حرفيين يشتغلون في صياغة الفضة أو صناعة أسرجة الحمير أو البغال التي يطلق عليها اسم “البرادع” المصنوعة إما من الجلد أو من بطانة الصوف. كما كانوا يشتغلون بتجارة الثياب والملابس، أو يعملون بائعين متجولين يعرضون سلعهم على المارة أو يطرقون أبواب المنازل لبيعها، وغالبا ما كان يتم البيع عن طريق مقايضة الثياب بأوان نحاسية أو فضية.

واشتغل بعضهم بإصلاح الأواني الفضية أو النحاسية بواسطة الكي بالنار والرصاص المذوب. ويقال إن بعض اليهود الميسورين كانوا يتعاملون بالربا فيقرضون الأموال للمسلمين واليهود بفائدة معينة.

ومن الصفات التي غلبت على اليهود في شفشاون حذقهم لفن “الوشم” خاصة وشم الجبهة والذقن واليدين. ولم يقتصروا على وشم الطائفة اليهودية فحسب، بل كانوا يعمدون إلى وشم المسلمين، رجالا ونساء وأطفالا. أما المسلمون الذين كانوا يقبلون على الوشم عند اليهود فكانوا في الغالب من البوادي ومن الأمازيغ المتعربين. أما أهل المدينة الحضريون فكانوا يرون في الوشم عيبا ومروقا عن الدين، وتويها لخلق الله، فيتأففون من رؤية الأشخاص الموشومين، ويعدون هذه الظاهرة من البدع.

أما الإسبان المسيحيون فأخذوا يتوافدون على شفشاون بعد دخول المستعمر الإسباني إليها في عهد الحماية (1912- 1956). وكان بعضهم يشتغل بتربية الخنازير، وبعضهم خصص محلات [حانات] في المدينة  الجديدة لبيع الخمور، وبعضهم الاخر كان يشتغل موظفا في الإدارة الإسبانية أو في التعليم أو في المستشفيات الحكومية أطباء ممرضين.

وبعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، أخذ اليهود والإسبان يغادرون مدينة شفشاون تدريجيا باستثناء يهوديين  وإسباني واحد؛ اليهودي الأول اعتنق الإسلام وغير اسمه إلى عبد الله الإسلامي، وترك بعد وفاته أبناء ما زالوا يعيشون  في المدينة حتى الآن بعد أن أصبحوا مغاربة مسلمين، أما الثاني فاسمه هارون، بقي مقيما فيها إلى غاية سنة 1970، وأما الإسباني الوحيد الذي لم يجد بديلا عن شفشاون، فتشبت بها عن حب، وفضل العيش والإقامة فيها بقية حياته، فهو دانييل (Daniel) الذي اعتنق الإسلام وتزوج مغربية، وامتنع عن الالتحاق بأسرته التي تعيش بمدينة غرناطة. والجدير بالذكر أن كثيرا من الإسبانيين الذين ولدوا بشفشاون أو عاشوا فيها ما زال يراودهم الحنين إليها إلى درجة أنهم أسسوا، في إحدى المدن الإسبانية الأندلسية جمعية أطلقوا عليها اسم “أنا شاوني” (Anachaouni) وأصدروا مجلة يكتبون فيها ذكريات ومقاولات وبحوثا عن مدينة شفشاون التي يحتفظون في ذاكرتهم عنها بذكريات جميلة لا ينسونها، ويعبرون عن حنينهم إليها، حتى إن بعض الإسبانيين نظموا زيارة إليها لتفقدوا المنازل التي كانوا يقطنونها ويبحثوا عن أصدقائهم المغاربة الذين كانت لهم علاقات طيبة معهم. ويفسر “محمد ياسين الهبطي” العودة السريعة والكبيرة للإسبان إلى وطنهم الأصلي بعدم اندماجهم بين الشفشاونيين خلال فترة الاحتلال، مما جعلهم يعجلون بالرحيل عنها بمجرد انتهاء سيطرة دولتهم عليها سنة 1956.

الكتاب: شفشاون… ذاكرة المكان

الكاتب: عبد الواحد التهامي العلمي

المركز العربي للدراسات الغربية

(بريس تطوان)

يتبع…

 


شاهد أيضا