شفشاون فضاء المآثر والعمران... المدينة السحرية الزرقاء - بريس تطوان - أخبار تطوان

شفشاون فضاء المآثر والعمران… المدينة السحرية الزرقاء

بريس تطوان

شفشاون مدينة جبلية، هواؤها نقي منعش، مياهها عذابة غزيرة، حقولها خضراء، معمارها أندلسي بديع، ساحاتها واسعة تحيط بها المساجد والمعالم التاريخية، أزقتها ضيقة ملتوية لكن تسطع بلون ازرق تنعكس على جدرانها أشعة الشمس فتبدو وكأنها مرآة انعكست عليها زرقة السماء، ألوانها تدخل على النفس البهجة والسرور حين تمتد الخضرة والزرقة معا في الساحات والدروب والأزقة لتنسجم مع لون القراميد والبنايات الأثرية ذات اللون البني الفاتح.

شفشاون مدينة الحكايات الخارقة التي يختلط فيها الخيال بالواقع؛ وكلها مستلهمة من هذا المكان العجيب ومسنوحاة منه؛ حكايات “حنا مسعودة”، وحكايات “الجن”، وحكايات “بوسابة” وحكايات “حنا مسعودة”، وحكايات “الجنود المغاربة ضحايا الحرب الأهلية الإسبانية”، وغيرها من الحكايات التي مازالت تحتفظ بها ذاكرة سكان المدينة. شفشاون تمتلك جمالا رائعا في الكائنات والأشياء، وبريقا ساحرا نفذ إليها من الحضارة الأندلسية، وجعل منها فتنة لا تضاهى؛ كأن غرناطة الأندلسية انتقلت من فضاء الأندلس لتقيم هنا تحت الجبل؛ المياه الغزيرة، والمعمار الأندلسي البديع، والساحات، والدروب، والأزقة الضيقة؛ كل ذلك يوحي للزائر أنه في “غرناطة” التي غادرها العرب ليجدوا “غرناطة” ثانية بديلة عن الأولى.

يقول محمد أبو عسل: “تأسست المدينة [شفشاون] سنة 876هـ/ 1471م على سفوح جبال “تسملال” وقرية “ماكو” و “جبل بوحاجة”؛ وهي جبال تحتوي على غابات من الأشجار النادرة كشجر “الشوح” و “الأرز” وغيرها. تنفتح المدينة نحو جهتي الغرب والجنوب على منحدر لمجرى (وادي لو) الذي يتغذى وادي شفشاون من روافده، وعلى مجرى “وادي لو” يقع سد (تلمبوط) الذي به مولد للتيار الكهربائي. وهذا السد والمولد من عمل الإسبان عندما دخلوا المدينة سنة 1920″.

يتساءل كثير من الناس على دلالة اسم هذه المدينة “فاسم البلدة يعني “القرون” واللفظ الدال على ذلك في لهجة – تاريفيت – أشاون” أو “قشاون” التي تعني “القرون”، ومفردها “قش” أو “إش” وتجمع على “أشاون” أو “قشاون”. وتجدر الإشارة إلى أن كلمات كثيرة في اللغة الريفية ليس لها مثنى بل تأتي في صيغة الجمع؛ فشفشاون تعني “أنظر إلى القرون”.

يسميها بعض الناس “المدينة السحرية الزرقاء” لأن مساكنها وأبوابها ونوافذ منازلها مطلية باللون الأزرق،  وكأنها تعكس خيالها الحالم على كل من يزورها ويتجول في أحيائها ليستمتع بجمل معمارها الأندلسي الأصيل. هكذا تكشف هذه المدينة عن نفسها، وكأنها – وهي المدينة البعيدة عن البحر – تهفو إلى زرقته، فيحن عليها ليمنحها زرقته السحرية وضفاءه الخلاب.

إذا عزمت على السفر إلى شفشاون انطلاقا من تطوان، وسواء أركبت حافلة أم سيارة أجرة، فلا بد أن تسلك طريقا جبلية وعرة ملتوية. ولن تصل إلى مبتغاك إلا بعد عناء ومشقة. وما أن تقطع قنطرة الواد الكبير حتى تصعد في جبل عال ملتوية طريقه، شفشاون لا تكشف عن وجهها الجميل إلا بعد تعب مع السفر على الرغم من قصر المسافة بين المدينتين حيث لا تتجاوز ستين كيلومترا. شفشاون عروس منيعة قابعة تحت الجبل. مازالت في تمنعها الأبدي يضفي عليها مزيدا من الحسن والبهاء.

إن موقعها في سفح الجبل يمنحها طابعا خاصا؛ فهي تتميز بشوارعها وأزقتها ودروبها الضيقة ذات النكهة الأندلسية الأصيلة. إذا زرتها شتاء راقك بياضها الناصع الذي يكسو قممها، وغذا زرتها صيفا رأيت خضرة الجبل وصفاء السماء، ثم تظهر لك مساكنها البيضاء التي تختلط بها الزرقة. اما القراميد البنية فتعكس تلك الحضارة الأندلسية العريقة التي تفرد بها وتميزها عن سائر المدن المغربية.

شفشاون: “غرناطة المغرب”؛ اختار مؤسسها مكانا شبيها بغرناطة التي غادرها العرب بعد ثمانية قرون. كلما انغمست في أزقتها ودروبها أخذك الحنين إلى ذلك الماضي السحيق الذي يذكرك بحضارة العرب ومجدهم في تلك الربوع الأندلسية، فينتابك إحساس غامض. ما أن تطأ قدماك أرضها حتى تنسى عذاب الرحلة والسفر، فتنتعش بهواء الجبل وتنشط حواسك في هذا المحيط الذي حللت به.

اشتهرت شفشاون بمائها البارد العذب، يخرج من منابعه باردا برودة الثلج، فتنتعش ببرودته الأجسام والنفوس. ينحدر من منبع رأس الماء في قنوات مائية تمر أغلب أحياء المدينة العتيقة. وكان صبيب مياهها لا ينقطع في منازلها ليلا نهارا، فيحدث صوتا يؤنس الساهر والعليل. تنبثق من جوفها مياه العيون: “عين النفايس”، و “عين باب العين”، و “عين سيدي بوخنشة”، و “عين السويقة”، و “عين باب الحمار” التي يطلق عليها “اعوينة الحاج العسلاني”؛ هذه العين التي اختفت إلى الأبد، ولم يعد لها وجود بعد تدخل شركات توزيع الماء والكهرباء في شؤون مجاري المياه التقليدية التي عاشت بفضلها المدينة منذ عهد السيدة الحرة بنت علي بن راشد التي تكلفت بتعاون مع سكان شفشاون على إمدادها بالماء بفضل طريقة محكمة وتصميم عجيب. ما زال سكان المدينة يتذكرون كيف كانوا ينزلون إلى “اعوينة سيدي الحاج العسلاني”، للراواء من مياهها العذبة العسلية، في قطع وأوان من الفلين، فيتلذذون بالشرب منها.

اختفت معالمها إلى الأبد، وترك فقدانها حسرات في النفوس، وتلقى فيها أهلها العزاء، فأجهشت مدينة شفشاون كلها بالبكاء. وكلما مر شخص بمكانها المفقود أصيب بحرقة وغضة، وانتابه إحساس غامض بضخامة الجناية التي ارتكبتها الأيادي الأثيمة التي كانت سببا في طمس آثار هذه العين “العسلية”.

شفشاون؛ مدينة الجبال والعيون والمعازل ومجاري المياه العذبة والرحي والبساتين الخضراء والهواء النقي. ولا شك أن الغدير نكهة خاصة بالنسبة إلى الأطفال والشباب خاصة في فصل القيظ. يتذكر الشاعر عبد الكريم الطبال سحر الغدير حين كان ينزل إليه في شوق عارم رفقة بعض رفاقه ليسبح في مائه البارد: “وفي عهده الأول بالغدير كان يكتفي بالجلوس على أطرافه، وبملامسة قدميه الصغيرتين للماء، وبالرش أحيانا على هذا وذاك ثم بعد مجاهدة ومران بدأ ينزل في حذر وحيطة ببعض جسمه ثم بكل جسمه إلى الماء، ثم تمرن بجهد جهيد على تمديد يديه وتحريك قدميه وفق إيقاع ونظام معين حتى مهر في السبح فإذا به، بعد لأي، يقفز كالمهرة الآخرين من الصخرة التي على رأس الغدير، ويتسابق من هذه الجهة إلى تلك. ويتمرن أحيانا بالسبح على ظهره مكتفيا بتحريك القدمين وحدهما دون مساعدة اليدين للتأكيد على المهارة المكتسبة، شأنه لفي ذلك شأن أقرانه الفرسان في السباحة. وله مع أمواج الغدير الصغير، ومع ظلال الأشجار التي تهبط من علوها إلى الماء عشق خاص لا يبوح به لأحد”.

هذه المدينة المحرومة من البحر عوضها الغدير الذي كان في عيون أطفال شفشاون بحرا كبيرا شاسعا. هو المكان المحبوب والمحلوم به؛ في الغدير يتحرر الأطفال من كل القيود ليعيشوا لحظات ممتعة في فرح لا يحسه الكبار ولا يشعر به سوى أطفال وفتية اكتووا بقسوة فقيه الكتاب وصرامة تلقين القرآن وحشد ما يفوق ذاكرتهم الفتية ويتجاوز طاقة استيعابهم.

الكتاب: شفشاون… ذاكرة المكان

الكاتب: عبد الواحد التهامي العلمي

المركز العربي للدراسات الغربية

 (بريس تطوان)

يتبع…

 


شاهد أيضا