سبتة خزانة كنوز العلوم جناح “علوم القرآن” أنموذجا للدكتور حسـن الـوراكلي (4) - بريس تطوان - أخبار تطوان

سبتة خزانة كنوز العلوم جناح “علوم القرآن” أنموذجا للدكتور حسـن الـوراكلي (4)

وقد عرفنا ممن أخذوا عنه علومه الشرعية، واللسانية، والأدبية عددا من مشاهير العلماء الذين حملوا عنه راية الدرس القرآني وهاصة نا تعلق بالقراءات والتفسير نذكر منهم أبـا إسحاق إبـراهيـم بـن أحمـد بـن عيسى الغافقي الإشبيلي المالكي نزيـل سـبتة هـو كبير طلبتـه والـذي خلفه في حلقته في التدريس، وأبـا جعفـر أحمـد بـن إبـراهـيـم ابـن الـزبير الغرناطي الإمام المفسر المقرئ، وأبا جعفـر أحمـد بن الحسن الكلاعـي ابـن الزيات المقرئ النحوي، وأبا بكر محمد بن إبراهيم ابـن الحـاج البلفيقـي فـرأ علـى ابـن أبي الربيـع القـرآن الـكـريـم بـالقراءات السبع. وجميـع هـؤلاء كانوا ينوهـون بعلـم شـيخهم، وقد عبر عـنـهـم بـذلك القاسـم بـن يـوسـف التجيـبي حـين حـلاه ب (شيخ الأستاذين وإمـام المقرئين، وخاتمـة المعـربين، العلامـة الأوحـد الحـافظ النحـوي، اللغـوي الفرضي الحسابي المتفنن).

وممـن عرفنـا مـن المشتغلين بالتفسـير مـن العلمـاء السـبتيين في القـرن السـادس والسابع أبـو الحسـن عـلـي بـن أحمـد بـن خمير السـبتي المتـوفـى عـام 614هـ وقـد تـأتى له أن يستوعب مـن مـعـارف علمـاء عصـره وخاصـة منهـا التفسير وعلـوم القـرآن، وهوما انعكس أثره في اهتمامه بالتفسير. وله في ذلك عمـلان، أولهمـا تفسـير سـورة أهـل الكهـف، وقـد ذكـر ذلـك عنـد حديثـه عـن ثبوت الولايـة معتبرا أن الأدلـة مـن النقـل تثبتهـا وأن القـرآن الكـريـم نسبها إلى أهـل الكهـف، قال: (ولم يكـونـوا أنبيـاء إجماعـا، وانخرقـت لهـم العـادة مـن أوجـه كثيرة ذكرتهـا في شـرح سـورة الكهـف …) مقـدمات المراشـد إلى علـم العقائـد.

والعمـل الثاني في التفسير أفصح عنـه في مقدمة كتابه (تنزيه الأنبيـاء عـمـا نسـبه إليهم حثالة الأغبياء):” أمـا بعـد فـإني استخرت الله تعالى في إمـلاء شـرح لبعض آيات رغب في إملائها بعض الطلبة المحتاطين على الدين).

ونضيف إلى مـا ذكرنـا مـن كتب التفسير عناوين أخـرى كـانـت مـا يتداولـه شـيوخ العلـم وطلابه في مجالس الـدرس والإقـراء، وهي: تفسير أبي بكر بـن الجـوزي السبتي، وتفسير عبد الجليل القصـري السبني قيـل وكـان يقع في ستين مجلدا، وتفسير البسملة ومـا قيـل فيهـا تضمنها كتاب (تحفة القاصـد إلى أسنى المقاصد).

ونضيف إلى ما ذكرنـا مـن تفاسير علمـاء سبتة عناوين تفاسير مشـرقية كـانـت متداولـة كـذلك بـيـن أهـل العلـم مـن شـيوخ وطـلاب في سبتة، منهـا كتـاب (نزهــة القلـوب في تفسير غريـب القـرآن علـى حـروف المعجـم مـن تصنيف أبي بكـر محمـد بـن عـزيـز السجستاني حلـق بـه محـمـد بـن عبـد الله بن ســــــليمان الأزدي وجـزء مـن كـتـاب التفسير (فيـه لغـات القـرآن العزيـز وتفسيره عن أبي العبـاس عبـد الله بـن الـعبـاس كـان يحـلـق بـه محـمـد بـن عبـد الـرحيم ابـن الطيـب القيسـي ابـن زرقـون، وكـان فـيمن درسـه عليـه القاسـم التجيبي، ومنهـا تفسـير يحيى بـن سـلام البصـري القيرواني ومختصره لأبي عبـد الله محمد بن عبد الله المري المعروف بابن أبي زمنين وتفسير القرآن لأبي زكريا يحيى بن علي التبريزي، وتفسير الشـدي الصغير محمـد بـن مـروان الكـوفي، والـرد علـى من غلط في التفسير والحديث لبكر بن محمد بن العلاء القشيري.

ونذيل مـا ذكـرنـا مـن كـتـب القـراءات بعنـاوين أخـرى كـانـت كسابقتها مـدار الإقـراء في حلقات المدارس والمساجد نمثـل لهـا بحلقـة الشـيخ ابـن القـاري، وكـان يعتمـد للتـدريس فيهـا الكـتـاب (الكـافي) في القراءات السبع لابـن شـريح، وحلقـة الشيخ أبي الحكـم يحـى بـن منظـور القيسي، وكـان يعقـدها (بمسـجد اقرائه بأسـفل زقاق ابـن عيسى مـن سبتة، وفيـه قـرأ عليـه التجيبي جميع الكتـاب الكـافي لابـن شـريـح مـن أولـه إلى آخره، وحلقـة الشيخ أبي بكـر محمـد الأنصاري، وكـان يعقـدهـا بـداره حيـث سمـع عليـه التحيـي الكتـاب الـكـافي المذكور كاملا، وحلقـة أبي القاسـم بـن عبـد الله الأنصاري حيـث كـان يقـرئ طلبتـه كـتـاب (التيسير لحفـظ مـذاهب القراء السبعة في القراءات وتبيين ذلـك على المشهور عنهـم مـن الطـرق والروايات) لأبي عمرو الداني، والقصيدة الرائيـة في قـراءة نافع لأبي الحسـن عـلـي الحصـري، وكتـاب في مخـارج الحروف لأبي الحسـن عـلـي بـن دري الأنصـاوي، وأراجيـز في القراءات وضـعها أبو بكر يحى بن محمـد بـن خـلـف الهـوزني الإشبيلي نزيـل سـبتة لما رفعهـا للمنصـور الموحـدي أجـازه عليهـا وبـالغ في إكرامـه، وتأليف في قـراءة نافع لأبي إسحاق الغافقي الإشبيلي السبتي، وقصيدة في القراءات عـارض بمـا صـاحبها مالـك بـن المـرحـل لاميـة الشـاطبي (حـرز الأمــاني) وسماهـا (التبـــــــين والتبصــير لكـتـاب التيسير)وكتاب(الشـافي في اختصـار التيسير والكـافي) لأبي القاسـم بـن عـمــران الحضرمي السبتي.

وقـد عـني علمـاء سـبتة إلى جانـب الـدرس القرآني يديرونـه حـول القراءات والتفسير بعلـوم أخـرى مثـل عـلـم الناسخ والمنسوخ، وعلـم التجويد، وعلم أسباب النزول، وعلم المكي والمدني.

وقد حفظ لنـا مـن هـذه العلـوم عـمـلان اثنـان أولهمـا في علـم الناسـخ والمنسوخ، وثانيهمـا في علم التجويد. وعنـوان الأول (منهـاج الرسـوخ إلى علـم الناسخ والمنسـوخ) ومؤلفـه أبـو العبـاس أحمـد العـزفي، عـرف فيـه بعلـم الناسـخ والمنسوخ في الكتاب والسنة، وعـني بإيضـاح حقيقـة النسـخ لفـظ ومعـنى وشـفعه بشـروط النسـخ وأركانـه وأحكامه. ثم قسـم عمله إلى أبـواب عـرض في كـل بـاب آية يذكر ناسخها، ثم يتبـع مـا فيهـا مـن ناسخ ومنسوخ في السنة النبويـة. وعـني أبو العبـاس العـزفي في (منهـاج الرسـوخ) بذكر المكي والمدني والسفري والحضـري مـن الكتاب العزيز، قال: ومما يحـق تقديمـه ويجب على مـن شرع في هذا العلـم تعلمه وتعليمه وينبغي له تفهـم موقعه منه وتفهيمـه معرفة المكي والمدني او السفري والحضري من الكتاب العزيز .

وقد أفاد العزفي في عمله من مصادر أندلسية ومشرقية نذكر منها (ناسخ القرآن ومنسوخه) لابن العربي، و(المحرر الوجيز) لابن عطية، و(الناسخ والمنسوخ) لأبي جعفر أحمد النحاس، وأعمال ابن قتيبة، ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم. وتدل هذه العناوين على احتفاء العزفي بخزانة علمية كان يفيد من نصوصها في مؤلفاته، ومنها كتابه في الناسخ والمنسوخ. وقد سعدت برفقة محل الولد؟ في دراسة وتحقيق هذا العمل العلمي الرفيع.

وثاني الكتابين الذين حفظا لنا من علوم القرآن عنوانه (البستان في علم القرآن) ومؤلفه أبو عبد الله محمد بن يوسف الجناتي السبتي، وهو الذي عني بقراءته ودراسته محل ولدنا الأستاذ الباحث سعيد الزكاف وسعدت بتقديمه ضمن مطبوعات (دارة زمزم). وقد أدار الجناتي كتابه على أحكام التجويد برواية ورش وقالون عن نافع، وبناه على أبواب عالج فيها موضوعات مثل أصل الألفات، والهمزات، والمد وأقسامه، وحروف اللين، والإظهار والإخفاء، والفك والإدغام، والتفخيم والترقيق، والإمالة، وحروف القلقلة. ومن طريف أبوابه التي استوقفتني وتستوقف كل من يقف عليها (باب أنفاس الحروف وأرواحها وأجسادها) قال: أنفاسها: نقطها، وأرواحها: حركاتها، وقيل: بالعكس، أنفاسها حركاتها وأرواحها نقطها، والأول أحسن، وأما أجسادها: فهي صورة الحروف بمعانيها).

ومـن الأعمـال الـتي عرفناهـا مـا كـانـت متداولـة لـدى السـبتيين مـن كـتـب علـوم القـرآن وغيرهـا ولم تصـلنـا تـأليف أبي بكر يحيى بـن محمد بن خلف الهـوزني الإشبيلي نزيـل سـبتة جمـع فيـه إلى علـم القـراءات التحويـد ومخارج الحروف في أراجيـز وصفت بالحسان، و(تأليف في علـم مـن علـوم الكتاب العزيـز رفعـه إلى الفقيه أبي حاتم العزفي أبو علي الحسين بن عتيـق بـن الحسين ابن رشيق التغلي المرسي، وكتاب (تفسير مشكل الكتاب والسنة) للقصري، وغيرها.

ونخـتـم هـذا العرض بصيغة دعـاء مـن كـتـاب سمـاه صـاحبه أبو القاسـم بـن علي السبتي (التحفة) وضمنه حديث الختم في القرآن، وهذا نموذج منه :

(اللهم إني أسألك إخبات المخبتين وإخلاص الموقنين، ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقيقة الإيمان، اللهم انفعنا بماعلمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علما تنفعنا به، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، برحمتك يا أرحم الراحمين).

وبعد فإن سبتة كما قال ابن الخطيب حقا . خزانة كتب العلوم السبتية على متعدد أوصافها. أما علوم التنزيل فهي مشكاتها التي نورت مشهد الخزانة المترع ببصائر الهدى والرحمة، يكسوه الجمال، ويحفل به من الناس سمعهم والبصر والفؤاد، وتدوم له المحمدة.

الكتاب: السنة النبوية في سبتة العالمة

الكاتب: أ.د. حسـن الـوراكلي: أستاذ بجامعـة أم القـرى بمكـة المكرمـة وجامعة عبد المالك السعدي بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع..


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.