زيارة محمد الخامس لطنجة وتطوان.. محطتان تاريخيتان هامّتان - بريس تطوان - أخبار تطوان

زيارة محمد الخامس لطنجة وتطوان.. محطتان تاريخيتان هامّتان

بريس تطوان

يخلد الشعـب المغربي، ومعه نسـاء ورجال الحركـة الوطنية وأسرة المقاومة وجيش التحريـر، الجمعة 09 أبريل 2021، الذكـرى 74 للزيارة التاريخية التي قام بها جلالة المغفور له محمد الخامس إلى مدينة طنجة في 9 أبريل 1947م، والذكرى 65 للرحلة الملكية الميمونة التي قام بها جلالته طيب الله ثراه إلى مدينة تطوان في 9 أبريل 1956م، اللتين تشكلان منعطفا تاريخيا في مسيرة الكفاح الوطني من أجل الاستقلال.

ويشكل الاحتفال بهذه الذكرى الطافحة بالدلالات والعبر بالنسبة للأجيال القادمة، مناسبة لتخليد خطابين تاريخيين ألقاهما جلالة المغفور له محمد الخامس، الأمر الذي يعكس مسارا طويلا من النضال للمطالبة الواضحة بالاستقلال وتكريس الوحدة الترابية للمملكة.

ولم يأت اختيار مدينة طنجة سنة 1947م لتكون قبلة للزيارة التاريخية، اعتباطا أو صدفة، على اعتبار أن بطل التحرير الذي كان مرفوقا بجلالة المغفور له الحسن الثاني الذي كان حينها وليا للعهد وصاحبة السمو الملكي الأميرة للاعائشة، استفاد من “الوضع الدولي” لمدينة طنجة خلال تلك الحقبة، لإعطاء بعد دولي للقضية الوطنية.

وبالفعل، شكلت الزيارة الملكية الميمونة إلى طنجة منعطفا حاسما في مسيرة الكفاح الوطني من أجل نيل الحرية والاستقلال واسترجاع الوحدة الترابية، لكونها شكلت حدا فاصلا بين عهد الصراع بين القصر الملكي، ومعه طلائع الحركة الوطنية، وبين إدارة الإقامة العامة للحماية الفرنسية، وعهد الجهر بالمطالبة بحق المغرب في الاستقلال أمام المحافل الدولية.

وما أن علمت سلطات الاحتلال بتأثيرات الزيارة الميمونة لبطل التحرير لطنجة حتى فكرت في عرقلة هذا العمل الوطني الجسور، وأقدمت على ارتكاب مجزرة شنيعة بمدينة الدار البيضاء يوم 7 أبريل 1947، راح ضحيتها مئات المواطنين الأبرياء، في مسعى منها إلى ثني زعيم الحركة الوطنية المغفور له محمد الخامس من القيام بزيارة ذات دلالات وطنية ووحدوية واستقلالية لمدينة طنجة المغربية الدولية آنذاك.

وبعدما قام جلالته طيب الله ثراه بزيارة عائلات الضحايا ومواساتها، توجه على متن القطار الملكي نحو طنجة التي خصصت له استقبالا حارا وحماسيا رائعا وسط حشد جماهيري عظيم تناقلته مختلف وسائل الإعلام الدولية آنذاك.

وفي فناء حدائق المندوبية بطنجة وبحضور ممثلين عن الدول الأجنبية وهيأة إدارة المنطقة وشخصيات عدة، عبر جلالة المغفور له محمد الخامس بوضوح ودون غموض عن إرادة الشعب المغربي استرجاع استقلاله ووحدتها الترابية.

ومن خلال هذا العمل البطولي الذي تحدى القوى الاستعمارية، أعطى شحنة ودفعة قوية للمغرب والمغاربة في كفاحهم من أجل نيل الاستقلال وكسر شوكة الاحتلال. وحيث أكد محرر الأمة أمام ممثلي الدول الأجنبية والساكنة المحلية، بلهجة قوية وحازمة، “إن حق الأمة المغربية لا يضيع ولن يضيع .”
وبعد مرور نحو عقد على هذا الخطاب الحامل للأمل والعزيمة الذي ألقاه جلالته خلال زيارته الميمونة لمدينة طنجة، عاد جلالة المغفور له في 9 أبريل من سنة 1956م، بمنطقة الشمال وهذه المرة بمدينة تطوان ليزف منها للمغاربة بشرى استقلال الأقاليم الشمالية وتوحيد شمال المملكة بجنوبها.

وجاءت هذه الزيارة، في سياق عودة جلالته من إسبانيا بعد أن أجرى مفاوضات مع القادة الإسبان تهم استكمال الوحدة الترابية للمملكة، والتي توجت بالتوقيع معاهدة 7 أبريل 1956م، التي تعترف بموجبها دولة إسبانيا باستقلال المغرب وسيادته التامة على كافة أجزائه.

ويشكل الاحتفال بهاتين الزيارتين التاريخيتين مناسبة لإبراز الملاحم البطولية التي ستظل راسخة وعالقة في ذاكرة التاريخ المغربي، والإشادة بنضالات المقاومين الذين ساهموا بكل تفان وإخلاص في دحر قوى الاحتلال وبزوغ فجر الحرية والاستقلال.

كما تشكل هذه الذكرى مناسبة لحث الشعب المغربي على مضاعفة الجهود للاضطلاع بواجباته تجاه الوطن، وتعزيز روح المواطنة المتجذرة في تاريخ وهوية المغرب من أجل استشراف المستقبل بتفاؤل والتعلق بالقيم المقدسة للأمة.

ولقد كان لنبأ حلول المغفور له محمد الخامس بتطوان وقع خاص وعظيم على نفوس سكان مدينة طنجة سنة 1947م، والمغرب في خضم تحديه ومواجهته للقوى الاستعماري وليصدح بصوته عاليا أما الأمم مطالبا بحقوقه المشروعة في نيل استقلاله والتأكيد علة وحدته الترابية فكان الزيارة بذلك منطلقا وأساسا لمسار التحرر والانعتاق من ربقة الحماية وقيود الاستعمار

كما كان اختيار مدينة تطوان تكريما لهذه المدينة المجاهدة التي كانت طيلة فترة الحماية ملاذا وملجأ آمنا لحماية المواطنين واللاجئين والفدائيين، وفضاء خصبا لنشاط وطني عظيم، وقاعدة للاتصالات التي كان يجريها الوطنيون المغاربة فيما بينهم سواء لدعم حركة المقاومة أو لتكوين وتعزيز فرق جيش التحرير الناشئة في ربوع الوطن، وإمداد الرجال والمقاومين بما يلزم من ذخيرة وعتاد. ولا أدل على ذلك مما جاء في الرسالة الملكية السامية التي وجهها جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله يوم الجمعة 9 أبريل 1994 إلى المشاركين في الاحتفال بذكرى خطاب جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه بمدينة تطوان حين قال “إن مدينة تطوان الغالية بما شهدته من أحداث جسام، وما احتضنته من لقاءات تاريخية ، وما قدمته لحركة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي من دعم، لتعد بحق من الحواضر التاريخية الكبرى التي يحق لنا أن نعتز بها على مر العصور والأحقاب، فقد كانت الملاذ الأرحب، والمزود السخي بالمال والسلاح والرجال، والقاعدة الراسية للتخطيط والتدبير والمركز والمنطلق لتكوين جيش التحرير .”

وإن فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بشفشاون والنيابة الإقليمية بتطوان، ومعهم كل مكونات أسرة المقاومة والتحرير بإقليم شفشاون، وهي تستعيد الرسائل البليغة والإشارات القوية للحدث التاريخي الخالد للزيارة المولوية السامية إلى مدينتي طنجة وتطوان، فلتقديرها واعتبارها لهذه الحلقة من العقد الذهبي من مآثر الوطن ومحاسنه التي يجمل بنا الاعتزاز بها والتماهي بنضالاتها الوافرة وبثمارها المجدية في مسار التحرير والاستقلال والوحدة.


شاهد أيضا