زمن النسخ المتطابقة - بريس تطوان - أخبار تطوان

زمن النسخ المتطابقة

في زمن التطابق كن أنت النسخة الوحيدة ولو اختلطت أمامك السبل وانهار قبالتك الجسر المعبد، كن النسخة الوحيدة وامض بثبات ولو سرت وحيدا في الدرب العكسي للجماعة .. فإن الفرد المتفرد صار عملة نادرة في زمن النسخ المتكررة.
دع عيناك تراقب شوارع المجتمع لترى العدوى تتنشر من شخص لآخر، لترى الجميع ينتقي ذات المفردات ويتحدث عن ذات الموضوعات ويناقش ذات القضايا..
دع عيناك تراقب شوارع المجتمع لتبهرك الشعارات والمطالب والأماني المتطابقة ..
دع عيناك تراقب شوارع المجتمع لتصدمك العيون الفارغة والعقول الفارغة وردات الفعل المتشابهة ..
ثم خذ جولة في منصات التعبير الحرة لتفهم حجم الكارثة التي طالتنا في غفلة منا، لتفهم أن مفهوم الحرية فقد معناه وسقطت قيمته حين قرر المجتمع أن يعبر بكامل حريته!! وكوارث اليوتوب خير دليل على كلامي هذا.

إن ما نراه من مشاهد، وما نقرأه من فضائح وما يصلنا من أخبار يجعلنا نشعر بالاحراج والخجل تجاه ما وصلت إليه البشرية من تقهقر، مشاهد تندى لها الجبين وتدفعنا لمراجعة حساباتنا كأفراد داخل هذا المجتمع وتدعونا -دون أن تدرك ذلك- إلى التشبت بالنسخة الوحيدة التي تسكننا مهما كلف الأمر.

إن ما يخيفني على المستوى الشخصي، أن أجد نفسي ذات يوم هناك في الضفة الأخرى وقد جرفتني سيول التفاهة وبت تابعة للحشود الهائمة في دوامة الفراغ ..
وإن أكثر ما يخيفني على المستوى الاجتماعي، أن يكبر الحشد شيئا فشيئا وتختفي النسخ الوحيدة القليلة وتندثر وسط الفوضى..
الشيء الذي بات يدعو للقلق ويجعلني أتساءل بجدية ما السر وراء هذا المشهد المخيف؟ ما الدواء أو بالأحرى “السم” الذي تعاطته العقول حتى صارت تشبه بعضها البعض؟ كنت أخدعني بكذبة “الموجة العابرة” حتى أخفف عن نفسي هول النائبة المتناسلة لكن سرعان ما اكتشفت أني مزورة فاشلة للحقائق ولا أصلح بتاتا لأقف موضع الدفاع أمام أمر مفضوح أمره أمام الملأ … هي موجة تأبى العبور إذن، تأبى الرحيل بل تتوسع هنا بيننا وتعلو وتتضخم وتكاد تغطينا كلنا …

يقول غوستاف لو بون في مؤلفه سيكولوجية الجماهير :
“إن الفرد المنخرط في الجمهور هو عبارة عن حبة رمل وسط الحبات الرملية الأخرى التي تذروها الرياح على هواها.”
لأقول أنا لحبة الرمل الذهبية المشعة الجميلة، تمسكي عزيزتي بنفسك، تمسكي قدر المستطاع قبل أن تذروك الرياح وسط الحبات الرملية الأخرى، قبل أن تحملك إلى الضفة الأخرى، قبل أن تضيعي من نفسك وتضلي الطريق..!
ثم كوني أنت النسخة الوحيدة في زمن التطابق المخيف.

مريم كرودي/بريس تطوان


شاهد أيضا