ذ. عادل بنونة – رئيس فريق العدالة والتنمية بجماعة تطوان
لم يعد مستقبل الرياضة بمدينة تطوان مرتبطاً فقط بالنتائج التقنية، والانتدابات، والصعود والنزول بين الأقسام، بل أصبح من الضروري أن ينتقل النقاش إلى مستوى أعمق، يتعلق بالحكامة والتدبير المالي والمسؤولية المؤسساتية، خاصة عندما يتعلق الأمر بنادٍ رياضي من حجم المغرب أتلتيك تطوان يستفيد، على امتداد سنوات، من أشكال مختلفة من الدعم العمومي والمساهمات المؤسساتية والإشهارية.
وقد أعادت أشغال الجمع العام العادي الأخير للنادي، المنعقد يوم 24 غشت 2026، طرح عدد من الأسئلة المرتبطة بالوضعية المالية للفريق، في ظرفية تزامنت مع انتخاب محمد جدعوني رئيساً جديداً للمغرب التطواني، وفي ظل تطلعات كبيرة إلى فتح صفحة جديدة عنوانها الاستقرار والحكامة والشفافية.
ومن بين أبرز المعطيات التي أثارت الانتباه خلال الجمع العام، النقاش المتعلق بدائنية قيل إنها تناهز 13 مليون درهم، أي ملياراً و300 مليون سنتيم، وما ارتبط بها، وفق ما تم تداوله خلال النقاش، من شيكات وكمبيالات.
وقد طُرح هذا الموضوع بشكل علني أمام الجمع العام، حيث سأل رئيس الجمع العام سعد السهلي الرئيس المنتخب محمد جدعوني حول ما إذا كان لا يزال دائناً للنادي، ليؤكد الأخير، وفق ما تم تداوله إعلامياً، أنه لم يعد يطالب المغرب التطواني بأي مبلغ وأنه تنازل عن مستحقاته.
وهنا تبرز أسئلة مشروعة لا ينبغي التعامل معها بمنطق التجاذب أو الاتهام، وإنما بمنطق الوثيقة والمسؤولية:
كيف تمت تصفية هذه الدائنية؟ وهل يتعلق الأمر بأداء سابق، أم بتنازل مكتوب ونهائي، أم بتسوية محاسبية، أم بإلغاء للكمبيالات والشيكات، أم بإجراء قانوني آخر؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه، ولا تعني إصدار أحكام مسبقة، وإنما تفرضها طبيعة المبلغ وأهمية الوثائق المالية المرتبطة به.
كما أن الحديث عن شيكات وكمبيالات والتزامات مالية سابقة يستوجب، من الناحية المؤسساتية، توضيحاً دقيقاً لمسارها، والجهات التي قامت بتحريرها وتوقيعها، وكيفية إدراجها في الحسابات والوثائق المالية للنادي.
والأمر هنا لا يتعلق فقط بالمكتب المسير الحالي أو السابق، بل بوضعية مالية تراكمت عبر سنوات، ما يجعل اختزال الأزمة في شخص أو مرحلة واحدة أمراً غير كافٍ لمعالجة أصل المشكلة.
المغرب التطواني أكبر من مكتب مسير
المغرب أتلتيك تطوان ليس مجرد جمعية رياضية أو مكتب مسير، بل هو مؤسسة رياضية ذات رمزية كبيرة في المدينة، وجزء من ذاكرتها الاجتماعية والرياضية، وفريق يرتبط به جمهور واسع ويتحمل، في الوقت نفسه، مسؤولية تدبير موارد ومساهمات مختلفة.
لذلك فإن السؤال اليوم ينبغي ألا يكون فقط: من ربح الجمع العام ومن خسره؟
بل يجب أن يكون:
أين وصلت مالية المغرب التطواني؟ وما حجم مديونيته الحقيقية؟ وما طبيعة هذه الديون؟ ومن يتحمل مسؤولية تراكمها؟ وكيف تم تدبير الموارد التي توفرت للنادي خلال السنوات الماضية؟
إن الأزمة المالية التي يعاني منها الفريق ليست وليدة يوم واحد، ولا يمكن تحميل مسؤوليتها بشكل تلقائي لمكتب واحد، وهو ما يجعل الحاجة إلى افتحاص شامل وموضوعي أكثر إلحاحاً.
المال العمومي مسؤولية عمومية
سبق لي، بصفتي رئيس فريق حزب العدالة والتنمية بجماعة تطوان، أن طالبت خلال إحدى دورات مجلس جماعة تطوان بضرورة إخضاع الملف المالي والإداري للمغرب التطواني لافتحاص دقيق ومستقل، خصوصاً في ما يتعلق بالدعم العمومي الذي استفاد منه النادي على امتداد سنوات.
واليوم، وبعد الأسئلة التي أثيرت بشكل علني خلال الجمع العام الأخير، أعتبر أن هذا المطلب أصبح أكثر إلحاحاً.
فمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يفرض أن تكون أوجه تدبير المال العمومي قابلة للتتبع والتقييم، وأن تقدم الجهات المستفيدة من الدعم العمومي ما يثبت أوجه استعماله، وفق القوانين والمساطر الجاري بها العمل.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بالافتحاص ليست استهدافاً للمغرب التطواني، ولا للرئيس الجديد، وإنما هي مطالبة بحماية النادي، وحماية المال العام، وتعزيز الثقة بين الفريق وجمهوره والمؤسسات الداعمة له.
المطلوب اليوم هو الوثيقة
إن أفضل بداية للمرحلة الجديدة التي يقودها الرئيس محمد جدعوني ستكون، في تقديري، جعل الشفافية المالية عنواناً أساسياً للولاية الجديدة.
فبدل أن يبقى رقم مليار و300 مليون سنتيم موضوعاً للتأويل والتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، ينبغي أن يتم الحسم فيه بالوثائق والحسابات.
ومن حق الرأي العام الرياضي أن يعرف:
- ما هو إجمالي ديون النادي اليوم؟
- ما طبيعة الديون المستحقة والمتنازع عليها؟
- ما وضعية الشيكات والكمبيالات السابقة؟
- ما الذي تم أداؤه وما الذي تم التنازل عنه؟
- ما هي الالتزامات تجاه اللاعبين والمدربين والمستخدمين والموردين؟
- ما هي وضعية الشركة الرياضية والحسابات المرتبطة بها؟
- وما هي حصيلة الدعم العمومي الذي استفاد منه النادي خلال السنوات الماضية؟
والحسم في هذه الأسئلة لا يكون بالتدوينات ولا بالتصريحات ولا بمقاطع الفيديو، وإنما من خلال الوثائق المحاسبية والتقارير المالية والاتفاقيات والفواتير والكشوفات البنكية والبيانات الدقيقة للديون والالتزامات.
مسؤولية المؤسسات الداعمة
المسؤولية لا تقع على النادي وحده، بل تشمل أيضاً المؤسسات العمومية والمنتخبة التي ساهمت في تمويله.
فكل دعم عمومي يجب أن يكون مرتبطاً باتفاقيات واضحة، وأهداف محددة، وآليات للتتبع والتقييم، مع التأكد من صرف الأموال في الأغراض التي منحت من أجلها وتقديم الوثائق المثبتة لذلك.
لقد حان الوقت للانتقال من منطق “أعطوا الفريق المال حتى يستمر” إلى منطق جديد يقوم على: دعم الفريق وفق مشروع رياضي ومالي واضح، وربط التمويل بالحكامة والأهداف والنتائج والمراقبة.
فالمدينة لديها أيضاً أولويات متعددة في النقل والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية والثقافة والشباب والرياضة، وبالتالي فإن كل درهم من المال العام يجب أن يكون خاضعاً للشفافية والتقييم والمساءلة.
من أزمة فريق إلى مشروع رياضي للمدينة
إن أزمة المغرب التطواني المالية ليست مجرد أزمة فريق كرة قدم، بل تكشف الحاجة إلى مراجعة أوسع لطريقة تدبير الرياضة بمدينة تطوان.
نحن بحاجة إلى مشروع رياضي متكامل يقوم على تطوير الفئات الصغرى، وتنمية موارد النادي، وجلب الاستثمار والإشهار، وتطوير البنية المؤسساتية، وربط المسؤولية بالنتائج، ووضع آليات واضحة وشفافة لمراقبة الدعم العمومي.
والأهم من ذلك كله، هو الانتقال بالرياضة التطوانية من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات.
موقفي واضح
بصفتي رئيس فريق حزب العدالة والتنمية بجماعة تطوان، أؤكد أن موقفي من هذا الملف ليس موقفاً ضد المغرب التطواني، بل هو موقف من أجل المغرب التطواني، ومن أجل المال العام، ومن أجل حق الجمهور التطواني في معرفة الحقيقة.
لقد طالبت سابقاً بإفتحاص مالي وإداري دقيق، واليوم أجدد هذا المطلب، داعياً إلى إخضاع مالية وتدبير المغرب التطواني، وخاصة ما يرتبط بالدعم العمومي، لرقابة وافتحاص الجهات المختصة، وفي مقدمتها المجلس الجهوي للحسابات، كلما توافرت شروط الاختصاص القانونية، مع فحص مسارات صرف الدعم، والالتزامات، والديون، والشيكات والكمبيالات، والتسويات المالية.
كما أدعو المجالس والمؤسسات المنتخبة التي تقدم الدعم للنادي إلى توضيح الاتفاقيات المرتبطة بهذا الدعم، وشروطه، وآليات تتبع صرفه وتبريره، في حدود ما يسمح به القانون.
أما بخصوص مبلغ مليار و300 مليون سنتيم، فلا ينبغي أن يبقى مجرد مقطع فيديو أو سؤالاً أثاره رئيس الجمع العام وجواباً قدمه الرئيس المنتخب.
المطلوب هو الوثيقة.
لأن القول بعدم المطالبة بأي مبلغ يحسم موقفاً شخصياً، لكنه لا يحسم وحده الوضعية المحاسبية والقانونية للدين. فالفرق كبير بين التنازل عن دين، وتسوية دين، وإثبات عدم وجود الدين أصلاً.
وهذه مسائل لا يمكن حسمها إلا من خلال المحاسبة والوثائق والعقود والشيكات والكمبيالات والحسابات البنكية والتقارير المالية.
لقد عاد المغرب التطواني إلى القسم الأول، وهي عودة تستحق الفرح والاحتفاء.
لكن العودة التي نطمح إليها أكبر من ذلك: أن يعود الفريق أيضاً إلى الاستقرار المالي، والحكامة، والشفافية، والثقة.
فالمال العام أمانة، والمغرب التطواني ملك لتاريخه وجمهوره، وربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد شعار سياسي، بل قاعدة دستورية ومطلب مؤسساتي ومجتمعي.
