رواية “التطاونيات”… متحف راضية العالمة - بريس تطوان - أخبار تطوان

رواية “التطاونيات”… متحف راضية العالمة

بريس تطوان

المشهد السادس: متحف راضية العالمة

عندما كثر الزوار لمنزل فطومة للاطلاع على الوثائق التاريخيــة القديمـة والأصيلـة، وعلى المخطوطـات والخرائـط والتحف الفريدة من نوعها والكتب القيمـة النادرة، فكرت فطومة وزوجها الأستاذ سي سلام أن يجعلا من الطابق السفليمكان العرض هذه المخطوطات والوثائق والمجلات والكتب النفيسة للعموم لكي تستفيد منها شريحة كبيرة من المثقفين والطلبة والأساتذة والباحثين. ولكن تبقى المخطوطات والوثائق النفيسة المرتبطة بالمواضيع الدقيقة فيتم الاطلاع عليها بعد طلب. هكذا عرف الطابق السفلي لمنزل فطومة رغم بساطة بنائه رواجا كبيرا وأصبح يعج بالطلبة والأساتذة والباحثين من داخل وخارج المغرب.

ومن خلال الزيارات المكثفـة تعرفت فطومة على الأستاذة “ماريا أنخليس” التي كانت تـدرس مـادة اللغة العربية بثانوية “بيــلار” الاسبانية بتطوان. فرغـم أن تخصصهـا هو “التــراث والمتاحـف” لأنهــا خريجـة معهد التراث “ببرشلونة” بمنطقــة “كاطلونيا” بإسبانيا، إلا أنه كان لدى مدرسة “بيلار” خصاص في أساتذة اللغة العربية للجالية الاسبانية بتطوان فتطوعت “انخليس” لهذه المهمة. كانت “ماريا أنخليس” وتلامذتها يزورون كل أسبوع منزل فطومة ويتصفحون الوثائق والمخطوطات والمجلات القديمة. وفي كل زيارة كانت تعمد الى اختيار إحدى المخطوطات وتكلف التلاميذ بترجمتها إلى اللغة الاسبانية كتمرين تطبيقي لدروسهم. هكذا نُسجت بين فطومة و”ماريا أنخليس” صداقة قوية خصوصا وأن “ماريا أنخليس” كانت تحب المغرب والمغاربة، كما كانت مغرمة بتطوان، بالخصوص المدينة العتيقة بدروبها الملتوية الجميلة وأبواب المنازل العتيقة وهندسة السقايات وطريقة استعمال ماء “السكوندو” وساحاتها والمقاهي التقليدية ومنازلها الجميلة وقصورها العريقة المتميزة والفريدة. و”ماريا أنخليس” هذه ليست بنت عسكري من الجيش الاسباني بل هي ابنة طبيب كان مستقرا مع عائلته بتطوان أيام الاستعمار فازدادت بها، وهذا هو سبب حبها الشديد لتطوان. فهي تحس بانتمائها الروحي لهذه المدينة الرائعة، وكما هو معلوم للجميع أن ذكريات الطفولة تبقى محفورة في الذاكرة، لذلك كانت لها ذكريات جميلة بكل درب من دروبها وكل ساحة من ساحاتها الجميلة سواء أكان ذلك بالمدينة العتيقة أو بالحي “الكولونيالي” “الإنسانتشي” أو غيره من الأحياء والدروب والأزقة والساحات.

استطاعت “ماريا أنخليس” بمساعدة طلبتها وباختصاصها وتجربتها في تصميم المتاحف أن تقترح على فطومة تحويل قاعة العـرض المتواضعة الى متحــف بمواصفـات احترافية عالية الجـــــــودة. فوافقت فطومـــــــة، فأعيدت هيكلــــــــة القاعة بتقنيات عصرية جديدة، كما قدم عديد من الوطنيين مساعدات مالية لإنجاح هذا المشروع. وما هو إلا وقت وجيز حتى تحول الطابق السفلي لمنزل فطومة إلى متحف بتصميم عصريأبهر الزائرون بإنارة خافتة مدروسة، وكذلك بتوزيع الوثائق والكتب، كما وضعــــــت المخطوطـــــــات بلمسات فنية رائعـــــــــــــة. ودشـــــــــن باحتفال رسمـــــــــي، حضره عدد كبير من مثقفي المدينة والباحثين والطلبة وغيرهم وأطلق عليه اسم “متحف راضية العالمة”.

مع الوقت أصبحت صيانة المتحف وإدارته مكلفة، ففكرت فطومة وزوجها سي سلام أن يجعلا من الطابق الثاني لمنزلهما مأوى سياحي لإيواء السياح الأساتذة الباحثين، وبالمداخيل التي سيجنونها من هذا المشروع يقومون بترميم ما تبقى من الوثائق والمخطوطات، لأن ذلك يحتاج ميزانية كبيرة، وكما هو معلوم أن الآلات المتخصصة في الترميم ثمنها غال وتحتاج لحبر خاص، وكذلك من أجل تشغيل موظفين وموظفات لتطوير خدمات المتحف والمأوى السياحي. وفعلا كانت فكرة رائعة ونجح المأوى السياحي ودر مداخيل مالية لا بأس بها. وهكذا تحولت فطومة المرأة المثقفة والأستاذة المقتدرة بعدما قدمت استقالتها من التعليم إلى سيدة أعمال تدير شركة ناجحة تحتوي على متحف ومأوى سياحي ومقهى ثقافي ومكتبة ودار للنشر.

وقد شاع في تطوان وفي اسبانيا أيضا وفي عديد من الدول الأوروبية خبر هذا المتحف الغني بالوثائق النفيسة والمخطوطات العجيبة والغريبة، والتي كلما اطلعت على واحدة منها تكشف لك عن أسرار جديدة سواء في علم الفلك أو الرياضيات أو الطب أو الأدب أو الديبلوماسية وغيرها. فأضحى هذا المتحف يحظى باهتمام عدد كبير من الأساتذة والجامعيين والطلبة والدارسين والمهتمين، كما أصبح يثير فضول أرباب دور النشر “أصحاب الشكارة” الباحثين عن الربح من خلال اقتصاد الثقافة. هكذا تقاطر على المتحف الكثير من المهتمين من كل الجنسيات وبنوايا مختلفة.

في أحد الأيام اتصل هاتفيا رجل أعمال كبير من إسبانيا وهو مديرلعدد من دور النشر والتوزيع بمدريد اسمه “أنطونيو رودريغيس خيل”، وطلب من فطومة موعدا لزيارة خزانتها.  لم يمر سوى أسبوع حتى كان “أنطونيو” هذا في منزل فطومة يتفقد الكتب والمخطوطات. فلما رأى هـذا الكمّ الهائل من الوثائق النفيسة والمخطوطات الفريدة من نوعها أبدى اهتماما كبيرا بها إلى درجة أنه عرض على فطومة مبالغ خيالية لشراء هذه الوثائق. لكن فطومة أجابته قائلة: هذه النفائس بالنسبة لي كالهواء الذي به أتنفس وبه أحيا، فإذا ما غابت عني هذه التحف ستصبح حياتي بدون معنى. حاول “أنطونيو” أن يقنعها بكل ما يملك من وسائل الترغيب لكن بدون جدوى. فانسحب بهدوء بعدما أقنعته أن هذا الموروث ملك لمدينة تطوان كلها بل هو موروث إنساني وكل فرد له الحق في الاطلاع عليه من أي جنسية كانت ومن أي وطن كان. والغريب في الأمر أن هذا الاسباني لم يقف عند هذا الحد، بل بدأ يسبـب المتاعب لفطومة، كما أصبحت تتعرض للتهديد من طرف عملاء هذا الاسباني عن طريق المكالمات الهاتفية، كما أنه صار ملازما للمتحف فأصبح يزوره على الأقل مرتين في الأسبوع.

في أحد الأيام وبينما “ماريا أنخليس” مع طلبتها حول طاولة كبيرة وسط المتحف يعملون على ترجمة إحدى المخطوطات إذ “بأنطونيو” يخرج من مكتب فطومة وهو يصيح بصوت مرتفع باللغة الاسبانية: “عليك أن تتنازلي عن أنانيتك وإلا سيقع ما لا يحمد عقباه”، يقولها ووجهه محمر وعلى ملامح وجهه غضب شديد. بينما خرجت فطومة هادئة وبخطوات بطيئة وهي تبتسم وتنظر إليه نظرة احتقار وهي تقول بصوت هادئ: “نحن لا نبيع تراثنا وقيمنا، لأن مبادئنا وأخلاقنا وقيمنا لا تسمح لنا بذلك، فافعل ما شئت أيها الرجل”. وخرج مسرعا وهو غاضب.

الكتاب: التطاونيات

للمؤلف: د.عبد الوهاب إيد الحاج

منشورات جمعية التراث والتنمية والمواطنة

(بريس تطوان)

يتبع…

 


شاهد أيضا