رواية “التطاونيات”… "فامة بنت الحداد" التطاونية المحاربة - بريس تطوان - أخبار تطوان

رواية “التطاونيات”… “فامة بنت الحداد” التطاونية المحاربة

بريس تطوان

المشهد العاشر: فامة بنت الحداد” التطاونية المحاربة

ساحة المقاومة التي توجد بها دار المعلمة “الزاهية” أم “فطومة” المختفية عرفت عبر التاريخ عدة أحداث مؤلمة وفظيعة مازالت منقوشة في ذاكرة “الزاهية” منذ طفولتها حيث أعدم جدها “عبد المغيث البومبلجي” وأمها “فامة بنت الحداد”  وأبوها “علي النجار” أمام أنظار أطفالهم وأحفادهم بهذه الساحة بعدما حكمت محكمة الاستعمار الغاشم بإعدامهم بساحة عمومية أمام الناس ليكونوا عبرة لمن خولت له نفسه أن يقوم بأعمال مماثلة ضد الاستعمار. كان “عبد المغيث البومبلجي” يلقب ب “الحداد الحكيم ” لكونه كان يمتهن مهنة الحدادة. وبالإضافة إلى أنه كان حدادا ماهرا كان حكيما وعالما مقتدرا ومجاهدا. فقديما لم يكن العلم مرتبطا بالرزق فكثير من العلماء الكبار والزعماء المقتدرون كانت لهم حِرف يكسبون بها رزقهم اليومي وليس بعلمهم. أما المستعمرون الإسبان فكانوا يطلقون عليه “الحداد الخطير”، وذلك لما كبدهم من خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد دون أن يكتشفوا أنه من وراء تلك الأعمال الفدائية إلا بعد مرور سنوات عديدة. وذلك لمعرفته الكبيرة بخبايا ودروب وأزقة وأسرار المدينة العتيقة بتطوان وضواحيها. كما أنه كان بارعا في صنع المتفجرات الخطيرة.

ينحدر”الحداد الحكيم” من منطقة جبالة وبالضبط من منطقة بني عروس الموجود بها ضريح العلامة الزاهد مولاي عبد السلام ابن مشيش، وجاء الى مدينة تطوان مع عائلته عندما انتقل أبوه إلى مدينة تطوان ليشتغل بمعمل كان يطلق عليه “دار البومبــــــــا”، معمــــــــل لصناعـــــــة الأسلحـــــة الحربيــــــة والمتفجـــــرات والقنابل وكذلك لتصنيع المدافع الثقيلة وتسبيك النحاس وغيره. وهذا المعمل له تاريخ طويل وساهم بشكل كبير في حماية المغرب من الغزو الإيبيري المتكرر. ففي سنة 1672 كانت للمولى إسماعيل رغبة قوية لتحرير بعض الموانئ والمدن المغربية المستعمرة من طرف البرتغالييـــــــــن، ممـــــا جعلـــــــه يفكر في انشــــــاء معمـــــــــل لتصنيع الأسلحة البحرية بإحدى المدن المغربية لتزويد الجيش المغربي بالأسلحة، وقع اختياره على مدينة تطوان لموقعها الاستراتيجي. بعد المولى إسماعيل سيتم التخلي على هذا المصنع في ظروف غامضة، حتى جاء السلطان محمد بن عبد الله حفيد المولى إسماعيل في نهاية القرن التاسع عشر ليقوم بترميمه وتجديده وعمل على فتح أبوابه من جديد لتصنيع الأسلحة الحربية.

تلقى “الحداد الحكيم” العلم والحرف الفنية بمدينة تطوان وهو مازال شابا. فدرس العلوم والفنون على يد كثير من العلماء والفقهاء، كالحديث وعلومه، والفقه وأصوله، وعلم المنطق والرياضيات، والعقيدة، وغير ذلك من العلوم. وكان ذلك بمدارس وطنية خاصة. لاحظ أحد العلماء أن هذا الشاب موهوب ويتمتع بالورع والزهد والتواضع ولين الجانب فاقترح عليه الزواج من ابنته التطاونية التي كانت تدعى “عشوشة”، هكذا أصبح الحداد الحكيم من أهل تطوان ورزق من التطاونية عشوشة بنتا أسماها “فامة” التي بدورها سترزق ببنتاإسمها “الزاهية” أم “فطومة” والتي مازالت مختفية.

أصبح “الحداد الحكيم” في وقت وجيز علامة ناقدا متقنا لمختلف العلوم والفنون، لقد أعطاه الله مواهب وسجايا قل أن تجتمع في غيره؛ إذ حباه الله بدقة الملاحظة وسرعة الفهم وسيلان الذهن، وحصافة الرأي. كان الحداد الحكيم مثالا يحتذى به في أدبه وعلمه وأخلاقه. فتتلمذعلىيديهعشراتالطلبة، تبوؤوا مختلف الوظائف، وحصلوا على مختلف الشهادات العلمية؛ كما تتلمذ عليه عدد من الشيوخ والأساتذة وحملة الدكتوراه. بالإضافة إلى كل هذه العلوم تعلم حرفة الحدادة رغم صعوبتها وأصبح يتقنها.

وبما أنه من منطقة جبلية بنواحي تطوان كان مطلعا على بعض المغارات التي تؤدي وتنفد إلى داخل تطوان بالخصوص إلى بعض الأفران بالمدينة العتيقة، واستطاع أن يرسمخارطة مفصلة لجميع المغارات التي تؤدي إلى الأفران بداخل تطوان. وساعد رجال المقاومة على تهريب السلاح عبر تلك المغارات إلى أن تصل إلى الأفران ثم توضع على “وصلات” الخبز فتأتي النساء فتأخذن الأسلحة إلى المنازل على أنها خبز في غفلة من المستعمر. لم يخطر على بال الجيش الإسباني فكرة توزيع الأسلحة عبر المغارات ثم عبر الأفران. ولم يكتشفوا ذلك إلا بعد مرور ثلاث سنوات عندما سقط من إحدى النساء خبزها أمام مجموعة من جنود المستعمر فألقي القبض على صاحب “الفران” الذي كان يدعى بوشعيب وأعدم أمام الملأ بساحة المقاومة وأغلق “الفران” لمدة طويلة حتى أصبح يلقب بفران بوشعيب المهجور.

حكم على “الحداد الحكيم” بالإعدام بتهمة أنه يتزعم وينظر لحركة “السيبة” داخل المدينة العتيقة لتطوان وتسريب السلاح إلى الفدائيين. حيث كان سببا مباشرا في إحداث مناوشات قوية بين المستعمر الإسباني والفدائيين والفدائيات التطاونيات. ومن بين الفدائيات الشجعى اللائي ضحين بالغالي والنفيس بعد وفاة “الحداد الحكيم” من أجل تحرير الوطن من المستعمر وتركن بصمات واضحة في هذه الساحة كانت أم الزاهية المناضلة التي كانت تلقب ب “فامة بنت الحداد” التي أذاقت المستعمر الأمرين حيث استفادت من خبرة أبيها “الحداد الحكيم “، وقامت بدور كبير في تربية وتأطير أفواج من النساء داخل المنازل ورفعت من هممهنّ وقامت بتوعيتهن وتحسيسهن بالدور الخطير الذي يلعبه المستعمر في طمس الشخصية المغربية ومقوماتها الفكرية والمرجعية الدينية، في نفس الوقت كانت تشجعهن على المقاومة والكفاح المسلح والنضال ضد هذا المستعمر الغاشم. كما شجعت الرجال على إقامة مدارس تعليمية وتربوية حرة بمناهج وبرامج مغربية بالمدينة العتيقة وعملت بشكل كبير على إضعاف قوة المستعمر وخططه الجهنمية التي سطرها من اجل تدجين التلاميذ منذ الصغر لبناء شباب مغاربة بدون هوية ولا مرجعية بل يتصفون بالتقليد والاعجاب وبالتبعية العمياء للمستعمر.

في أحد الأيام وبعد استشهاد “الحداد الحكيم” عثرت ابنته “فامة” بين وثائقه على خريطة للمغارات التي تؤدي إلى داخل تطوان، وتبين لها أن هناك مغارة تؤدي مباشرة لأحد الدكاكين لبيع الأثواب النسائية التي تملكه امرأة تدعى “ربيعة”. وربيعة هذه كانت امرأة شجاعة وتحب وطنها كما كانت صديقة وفية لفامة. اتصلت فامة بربيعة وطرحت عليها فكرة تهريب السلاح عبر دكانها بعدما اطلعتها على الخريطة التي تربط بين دكانها وإحدى المغارات الموجودة خارج تطوان. حينها اتصلت ربيعة بأخيها “أحمد النجار” الذي كان تاجرا كبيراوينتمي لفريق من الفدائيين، فأحيا ما كان يقوم به أبو فامة السيد “الحداد الحكيم” من تهريب السلاح إلى داخل المدينة العتيقة لمساعدة الفدائيين، لكن هذه المرة لم يمر عبر الأفران لأنها كانت محروسة جيدا، بل يتم تسريب السلاح من خارج المدينة العتيقة عبر دكان ربيعة ومن خلالالخريطة التي وجدتها فامة داخل وثائق أبيها.

مع الوقت نسجت علاقة طيبة بين فامة وأحمد أخ ربيعة توجت بزواج بين مناضلين مخلصين لوطنهما وشعبهما وأنجبا الطفلة “الزاهية” أم فطومة المختفية. وكانت الزاهية طفلة جميلة وذكية سارت على نهج ابويها وعلى درب نضالهما. في أحد الأيام حصل “أحمد النجار” زوج فامة على بعض الرسومات التوضيحية لصناعة المتفجرات وبعض الأسلحة التي كان يصنعهاأبو فامة “بدار البومبا”. فشجع عددا كبيرا من شباب تطوان ونواحيها وبالخصوص الذين لهم دراية ببعض العلوم الحديثة كالكيمياء والفيزياء ليصنعوا من جديد متفجرات وأسلحة يحاربون بها المستعمر الغاشم داخل وخارج مدينة تطوان.

عندما بلغت “الزاهية” خمس سنوات من عمرها اكتشف أمر أبيها أحمد وأمها فامة فحكم المستعمر عليهما بالإعدام ونفذ بساحة المقاومة أمام مرأى ابنتهما الطفلة الوديعة “الزاهية”.

الكتاب: التطاونيات

للمؤلف: د.عبد الوهاب إيد الحاج

منشورات جمعية التراث والتنمية والمواطنة

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا