رواية “التطاونيات”… "الزاهية" التطاونية المناضلة - بريس تطوان - أخبار تطوان

رواية “التطاونيات”… “الزاهية” التطاونية المناضلة

بريس تطوان

المشهد التاسع: “الزاهية” التطاونية المناضلة

مازالت حليمة تبحت عن أمها المختفية “فطومة” بمعية أبيها “سي سلام” الذي أتعبه هذا البحث الذي طال أمده، ومازالت ملامح نهايته بعيدة المنال. كما أرهقه كثيرا التفكير في سبب هذا الاختفاء الغامض وأسراره الدفينة وأسبابه المجهولة، ولم يظهر بعد من له يد وراء هذا الاختفاء، وهل هو اختفاء طوعي؟ أم اختطاف قهري؟ لم يستطع “سي سلام” ولا ابنته “حليمة” فك خيوط ولغز هذا الحدث المحير وهذا الاختفاء المفاجئ غير المتوقع.

أصبحت حليمة متخوفة من أن تتدهور صحة أبيها من جديد ويعود كما كان في بداية اختفاء زوجته عندما تأزم نفسيا وحاول وضع حد لحياته لولا لطف الله. لهذا كانت من حين لآخر ترافقه في بعض الجولات داخل المدينة العتيقة بتطوان لكي يستريحا ويستمتعا بساحاتها المرونقة وأبوابها العريقة وفضاءاتها الفنية الرائعة ويسلكا دروبها الجميلة والهادئة التي تزرع في النفس الاطمئنان والسكينة. كانا يبدآن الجولة من زنقة القائد أحمد ويُنهيان الجولة بساحة المقاومة وهي ساحة جميلة توجد بجانب ساحة “الغرسة الكبيرة” ويمران بالقرب من منزل جدتها “الزاهية” أم فطومة التي كان يطلق عليها “دار المعلمة الزاهية”، ويتذكران ذكرياتهما مع “الزاهية” المرأة البشوشة والمكافحة .هنا بهذه الساحة الجميلة التي يفوح منها العطر التطاوني العريق حيث أصبحت “الزاهية” ركنا أساسيافي الذاكرة الجماعية لهذه الساحة المكافحة، حيث كان يعرفها الجميع بحسن معاملتها ومساعدة الناس واطعام الفقراء والتكفل بالأيتام، وكانت تتميز بخصلة نبيلة ألا وهي التواضع رغم أنها من أسرة غنية وذات جاه وباع في أوساط مدينة تطوان. كما كانت تجود بالصدقات الخفية وتساعد الناس في حل مشاكلهم العائلية والنزاعات الأسرية في سرية تامة دون البوح بأسرارهم الدفينة ومن دون أن تمن عليهم. وكانت الزاهية تحب الفقيرات من النساء وتجد سعادتها وراحتها عندما تتجاذب معهن أطراف الحديث.

كلما مرت “حليمة” من ساحة المقاومة تنظر إلى منزل جدتها “الزاهية” فتتذكر ما كانت تحكي لها أمها “فطومة” عن ذكرياتها الجميلة بهذه الساحة الجذابة. كانت فطومة وهي شابة تقضي وقتا طويلا مع أمها “الزاهية” في ورشتها للخياطة والطرز الموجودة أسفل منزلها، حيث كانت الزاهية تصنع فيها الملابس التقليدية الجميلة للنساء التطاونيات اللائي يستهوين كثيرا ذوق “الزاهية” الراقي في اختيار الألوان وتصميمها الفني المتقن والرائع للملابس التقليدية التطاونية الأندلسية العريقة، التي كانت تصنعها بمعية شابات فقيرات سهرت بنفسها على تعليمهن وقدمت لهن تكوينات دقيقة في الطرز والخياطة وتصميم الألبسة المتميزة والفريدة. عرفت هذه الورشة داخل المدينة العتيقة لتطوان بدار المعلمة “الزاهية”.

داخل المدينة العتيقة بتطوان كان هناك انسجام قوي بين نساء الأسر الغنية والفقيرة بحيث، يتبادلن الزيارات ويتبادلن الخدمات. هناك العديد من النساء الغنيات لهن صديقات فقيرات والعكس كذلك. تقوم النساء الفقيرات بالعمل في القصور والدور الكبيرة، والى جانب المقابل المادي كانت المشغلاتتسهرن على تعليمهن القراءة والكتابة والخياطة والحياكة وفنون الطبخ الأندلسي وغيره. ومن هؤلاء الفقيرات من تحسن دخلهن وأصبحن من الطبقة الميسورة التي لها استقرار واستقلالية مادية مريحة. كما كانت بعض النساء التطوانيات الغنيات تتبنين بعض البنات اليتيمات وتسهرن عليهن حتى يكبرن ويتزوجن ويكونن أسرا ناجحة وصالحة وميسورة. وهكذا، لم يكن هناك حقد بين الفقراء والأغنياء، بل بالعكس كان هناك تكامل وانسجام والتحام غريب بينهم إلى درجة أنه في كثير من الأحيان لا تفرق بين أبناء الأغنياء وأبناء الفقراء.

كانت فطومة في أوقات فراغها أو عند عودتها من الثانوية تذهب إلى ورشة أمها بساحة المقاومة، وتجلس في غرفة موجودة داخل الورشة سبقت للزاهية أن حرصت بنفسها على تأثيثها على الطريقة التطاونية العريقة والتي مازلنا نراها في بعض بيوت تطوان الى اليوم، تستريح فيها عندما يكثر الزبناء وتحس بالعياء، كما كانت تتناول فيها وجبة الغداء من حين لآخر عندما لا يسعفها الوقت للصعود إلى منزلها. كانت فطومة تستغل هذا الفضاء الجميل والهادئ لمُراجعة دروسها وتقاسم وجبة الغذاء مع أمها.

كلما رن جرس انتهاء الحصة الصباحية في ثانوية الشريف الادريسيبتطوان،كانت “فطومة” ملزمة بمرافقة صديقتها “فوزية” إلى منزلها الموجود بباب “الرموز”، إحدى الأبواب العريقة لمدينة تطوان. لأن فوزية كانت تعيش ظروفا عائلية صعبةبسبب الخلاف الحاصل منذ وقت طويل بين أمها وأبيها اللذين تحبهما كثيرا.وكان هذا الخلاف يتحول من حين لآخر إلى مشادات كلامية واشتباكات عنيفة بالأيدي. وكان يؤلمها كثيرا أن ترى أبويها العزيزين عليها على هذا الحال المحزن فكانت هذه الصورة السوداء لا تفارقها. ورغم كل هذا كانتتحترمهماوتقدرهما كثيرا. كل هذا شكل لفوزية عقدة حقيقية وعائقا كبيرا لكي تعيش حياة طبيعية داخل المنزل وتحول هذا مع الوقت إلى مشكل حقيقي أثر فيها نفسيا وبشكل واضح داخل الثانوية إلى درجة أن أفكارا سوداوية بدأت تراودها لولا تدخل صديقتها الوفية فطومة، والتي كانت تحكي لها فوزية كل ما يدور من صراعات وخلافات بين أمها وأبيها. وكانت فطومة تتقن المساعدة النفسية،من خلال تجربتها وتربيتها على يد أمها “الزاهية”، فقد أصبحت تتفهم الآخر وتدفعه ليثق بها فيحكي لها مشاكله وما يحس بهدون تخوفخاصة الذي يعاني من مشاكل عميقة ولا يستطيع البوح بها للآخرين. لكن كل هذا كان يأتي على حساب وقت وراحة فطومة بحيث كانت مضطرة لجبر خاطر صديقتها وقضاء وقت طويل معها ومرافقتها إلى منزلها عند انتهاءكل حصة دراسية.

كانتا تخرجان من باب الثانوية وتتجهان نحو باب العقلة عبر الدرج وتمران بين مدرسة الصنائع وساحة “بيرتوتشي” فيُرى فوق باب العقلة منظر فضاء سقالة الجميل حيث وضعت مدافع مازالت شامخة الى اليوم، وبجانبها من خارج المدينة يُرى المتحف “الإتنوغرافي” من الخلف، وهما تسيران في الشارع الجميل نحو باب الرموز حيث منظر المدينة العتيقة المبنية على صخرة، إنه منظر عجيب حيث كانت الهندسة الإسلامية تعتمد في البناء على الأحجار والأرض الصلبة وليس على السهول والأرض الفلاحية، لضمان السلامة من الكوارث الطبيعية، خصوصا الزلازل لأن مدينة تطوان تقع على خط الزلازل الذي يمر من الحسيمة ويمتد إلى القارة الأوروبية عبر “ألميريا”. فتستمران في جولتهما اليومية إلى أن تصلا إلى بناية اسبانية تسمى “كاسا بلوكي” ويقابلها “رياض العشاق”، وهي حديقة فريدة من نوعها حيث إنها تضم أشجارا من دول مختلفة ومتعددة، ومقابل رياض العشاق يوجد مجمع الصناعة التقليدية الذي تعرض فيه التحف الفنية للصناع التقليديين التطاونيين، ومقابل مجمع الصناعة التقليدية من الجانب الآخر توجد محطة القطار التي بنيت بشكل هندسي أندلسي جميل، ثم تتركان رياض العشاق على يسارهما وتسيران يمينا في اتجاه باب الرموز حيث تسكن فوزية.

تودع فطومة صديقتها فوزية أمام منزلها، فتدخل إلى المدينة العتيقة بعدما تمر من أجمل شوارع تطوان آنذاك والذي كان يطلق عليه “شارع لونيتا”، حيث يوجد “المسرح الوطني” ذو الواجهة الجميلة، وبعد بضعة أمتار من المسرح تبدأ تفوح رائحة زكية من دكاكين العطور التي يملكها بعض التجار الهنود المتخصصين في العطور الراقية، كما توجد بعض الدكاكين يملكها اليهود والاسبان وبعض المغاربة متخصصة في الأواني الثمينة والتحف النادرة والساعات الفارهة والأثواب المتميزة والحرير الباهظ الثمن وبعضا من قطع التحف الرائعة ابدعها حرفيو الصناعة التقليدية بجودة عالية.

قبل نهاية شارع “لونيتا” بقليل كانت فطومة تستدير إلى اليمين وتسلك دربا رغم أنه ضيق إلا أن به حركة اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة، حيث توجد مطاعم وبعض الفنادق والمقاهي والدكاكين المتنوعة. ثم تتجه نحو حي “الملاح الجديد”، وفي نهايته تجد عدة دكاكين متخصصة في بيع الكتب والمجلات القديمة، وهنا كانت حليمة تجد ضالتها حيث تتصفح الكتب النادرة والوثائق القديمة والمجلات المتنوعة بلغات ومشارب ثقافية مختلفة. ثم تتجه نحو “ساحة اسبانيا” الجميلة فتعرج يمينا لتمر من درب جميل ونظيف بتصميم جميل يدعى “الطرافين”، فتعبر سوق الحوت القديم ثم تنعرج يمينا إلى ساحة “الغرسة الكبيرة” لتصل الى ساحة جميلة توجد خلف ساحة “الغرسة الكبيرة” تدعى “ساحة المقاومة”، حيث توجد ورشة أمها “الزاهية” فتسلم عليها بحرارة وتدخل إلى الغرفة الجميلة والغريبة من نوعها، وتضع محفظتها على الطاولة وتستلقي على السرير لتستريح وتسترجع قوتها لتعود من جديد عبر مسارها المعهود إلى المدرسة بعد تناول لقيمات مع أمها “الزاهية”.

لم تنس فطومة ذلك اليوم الذي اشترى لها أبوها “سي ادريس” رفوفا جميلة من خشب من “جوطية الغرسة الكبيرة”، وشجعها على اتخاذ مكتبة بغرفة بجوار غرفة الورشة، واقتنى لها كتبا متعددة وشجعها على كتابة القصص والشعر، وحبب إليها قراءة الكتب. هكذا أصبحت فطومة وهي مازالت في ريعان شبابها مولعة بالكتب والمجلات والوثائق النفيسة التي كانت تجدها في المكتبات القديمة بحي “الملاح” وشارع “لونيتا” بالقرب من المسرح الوطني. وبما أن فطومة كانت تخالط زبونات أمها وتلميذاتها، فقد كانت تعرف جيدا مشاكلهن ومعاناتهن، فصارت فطومة تكتب أشعارا ومقالات تدافع عن المرأة وحقوقها وتنشر هذه المقالات على صفحات مجلة الثانوية، وكانت تفوز في المسابقات الشعرية والأدبية. ففضاء هذه الغرفة التقليدية الجميلة شجعها على الابداع والابتكار كما أصبح جزءا من شخصية فطومة وترك بصمات قوية في ذاكرتها بالخصوص وأنها بجانب أمها “الزاهية” تستأنس بها وتستلهم من البيئة المحيطة بها الأفكار لتستعين بها في كتاباتها.

عندما أصبح “سي ادريس” مديرا للتحرير لإحدى الجرائد السياسية، شجع فطومة على نشر مقالاتها المدافعة عن المرأة عموما والتطاونية خصوصا على صفحات هذه الجريدة، فلاقت نجاحا كبيرا وأصبح قراء الجريدة ينتظرون مقالاتها بشغف كبير. وهذا أعطى للجريدة قيمة مضافة وأصبحت أكثر مبيعا، مما دفع المسؤولين عن الجريدة لتخصيص صفحتين كاملتين من الجريدة لإبداعات نسائية تتكلف بها فطومة، وأطلقت عليها “إبداعات التطاونيات”، وتكتب فيها فطومة مقدمة على شكل عمود، وكانت أول جريدة بالمغرب تخصص مساحة كبيرة لإبداعات نسائية. وذاع صيتها على الصعيد الوطني والعربي والدولي.

المقدمات التي كانت تكتبها فطومة كانت نارية وجادة ولا تحابي أحدا، مما سبب لفطومة عدة مشاكل وعوائق كادت أن تؤدي بها إلى السجن، حيث استدعيت عدة مرات من طرف السلطات الأمنية لاستفسارها عن بعض مقالاتها التي نشرت على صفحات الجريدة.

في أحد أيام الربيع الجميلة سيتغير مجرى حياة “الزاهية” حينما زارت امرأة من ثريات مدينة فاس ورشتها، وكانت من زبوناتها المخلصات تأتي من مدينة فاس لتخيط غندها ألبسة جميلة بالطابع التطاوني العريق. وهذه المرة كان يرافقها شاب وسيم في ريعان شبابه كانت تناديه ب “سيدي المهدي”. عندما التقت أول مرة هذه “الفاسية” بفطومة أبهرها جمالها وثقافتها وجديتها ونضجها رغم أن عمرها لم يتجاوز بعد الثامنة عشر، فاقترحت على ابنها أن يتزوجها. لهذا جاءت إلى مدينة تطوان وهو يرافقها لكي يرى فطومة، فأعجب هو أيضا إعجابا كبيرا بجمالها وذكائها وثقافتها. فطلبت “الفاسية” يد فطومة من أمها الزاهية. لكن فطومة كان لها رأي آخر، بحيث كانت تحلم دائما بالزواج بسي “سلام” ابن خالتها “أمينة” التي تقطن بسبتة السليبة، الرجل الأنيق والشهم والمثقف والشاعر الذي كانت تفوح منه دائما رائحة عطر محلي جميلة تقطرها أمه داخل منزلها. ورفضت الزواج من هذا الشاب الوسيم “سيدي المهدي” رغم أنه من أسرة ميسورة.

عندما علمت الفاسية برفض فطومة الزواج بابنها “سيدي المهدي” لم تستسلم للواقع وبدأت تمارس بعض الاغراءات على الزاهية أم فطومة. لكن تربية الزاهية كانت راقية ولن تسمح لها بذلك. فبدأت ترهبها وتهددها لكي توافق على زواج “سيدي المهدي” بفطومة. لم تطق الزاهية هذه الإهانة ودخلت مع الفاسية في مشادات كلامية وملاسنات. تبين فيما بعد أن هذه المرأة الفاسية زوجة رجل نافذ وذي جاه وسلطة، وحاولت استعمال شطط السلطة في تدمير الزاهية. وفعلا نجحت في ذلك، بحيث استأجرت بعض النساء فوضعت مخدرات بورشة الزاهية في غفلة منها وأخبرت الشرطة. فجاء رجال الأمن ليلا واقتحموا الدكان فوجدوابها مخدرات. ولحسن حظ الزاهية أنها قضت تلك الليلة مع أختها “أمينة” بسبتة، وفي الصباح التحقت بها بنتها “فطومة” وأخبرتها بالحدث، فقررت أن تبقى في سبتة حتى تظهر براءتها. وهكذا بدأت الزاهية تعيش شبه منفية بسبتة وكل يوم السبت والأحد يزورها زوجها “سي إدريس” وابنتها فطومة.

الكتاب: التطاونيات

للمؤلف: د.عبد الوهاب إيد الحاج

منشورات جمعية التراث والتنمية والمواطنة

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا