رواية “التطاونيات”… استرجاع ذاكرة ساحة المقاومة - بريس تطوان - أخبار تطوان

رواية “التطاونيات”… استرجاع ذاكرة ساحة المقاومة

بريس تطوان

المشهد الحادي عشر: استرجاع ذاكرة ساحة المقاومة

لم تنس الزاهية قط حادثة وفاة جدها “الحكيم الحداد” وأمها “فامة بنت الحداد” وأبيها “أحمد النجار” بساحة المقاومة. فرغم الأحداث المؤلمة التي عرفتها هذه الساحة تبقى ساحة المقاومة ساحة جميلة بنيت بشكل فني رائع بحيث توجد دكاكين ومن فوقها منازل عريقة. قديما لم يكن بهذه الساحة إلا دكاكين للصناع التقليديين والتجار. لكن مع مرور الوقت ومع ارتفاع عدد السكان سمح للتجار والحرفيين ببناء منازلهم على هذه الدكاكين مع مراعاة الشروط المعمارية اللازمة. وفعلا أصبحت هذه الساحة من الأماكن الأولى التي سمح فيها ببناء طوابق علوية بالمدينة العتيقة.

ورثت المعلمة “الزاهية” جدة حليمة المنزل وورشة الخياطة من أمها “فامة بنت الحداد” المجاهدة العالمة كما ورثت منزلا صغيرا علويا موجودا قبالة منزلها كان يطلق عليه “مصرية فامة”. وبجوار منزل الزاهية يوجد دكان “سي علي” الصانع التقليدي المحترف في منتوجات الصناعة الجلدية وبجانبه دكان الحاج أحمد الرجل الأنيق الذي يبيع الملابس التقليدية للرجال وقبالته يوجد دكان “سي عبد الجبار” المتخصص في إصلاح أدوات زينة النساء من أساور واقراط وغيرها، وعن يمينه توجد عائشة صاحبة الأكلات البلدية “والرغائف” اللذيذة، وبجانبها الحلاق “سي العروسي”، وبجانبه توجد “مصرية فامة” المنزل العلوي الذي وهبته “الزاهية” لإحدى الجمعيات لإيواء المشردين داخل المدينة العتيقة وتقدم لهم الأكل والشراب، وكان من بين هؤلاء المشردين حكماء ومثقفين ساقتهم الأقدار إلى المدينة العتيقة بتطوان، من بينهم واحد كان متميزا يدعى “الأستاذ المتشرد” وهو رجل في الستينات من عمره معروف داخل المدينة بكثرة تجواله وكلامه المسموع والموزون، فيه حكم ورسائل ورموز لا يعقلها إلا العارفون بخبايا المدينة العتيقة وبما يدور في كواليسها، وكان من الساكنة من يطلق عليه اسم “المجدوب”.

في أحد الأيام وبعدما أنهى “سلام”وابنته جولتهما المعهودة بالمدينة العتيقة ووصلا إلى دكان “الزاهية” وبينما هما يتأملان الساحة الصغيرة الجميلة الموجودة بجانبه إذ بالحكيم “الأستاذ المتشرد” يتقدم إليهما وقال: “واش دهار شي خبير على للا فطومة أسي سلام؟”

قال “سي سلام”: لا، ليس بعد يا “سي المجذوب”، ادع معنا على الله يكون دعاؤك مسموعا  وتظهر فطومة.

قال “الأستاذ المتشرد” في كلام موزون:

الناس “طغات أسي سلام واتجبرات،

ومن الله ما خافت، ولا تقات

للا فطومة ما ظهرات ودار بريشا عمرات”.

قالت حليمة لأبيها: أتتذكر يا أبي عندما أخبرنا جدي عبد الصبور قبل وفاته بقليل أنه بحي “عقبة الحلوف” منزل كبير وسط عرصة يدعى “جنان بريشة”، هذا المكان يوجد به الكثير من المعتقلين. ربما هذا المجدوب يعلم شيئا عن اختفاء أمي.

قاطعه “سي سلام”قائلا: هل تقصد بدار بريشة جنان بريشة الموجود بحي المحنش؟

ابتسم المجذوب ابتسامة فيها أكثر من معنى ثم قال: الكلام كثير والسكات حسن، واللبيب بالإشارة يفهم

ثم استرسل قائلا:

كانت الزاهية بهذا الحانوت نجمة ضاوية

وجعلت من هذه الساحة وردة فائحه،

تجمعوا من حولها الناس، وساعدتهم،

ونصفت النساء وحماتهم ودعماتهم،

وكيف لا تكون هذه المرأة شريفة وعفيفة

وجدها سيدي الحداد فدى عمرو من أجلنا

وأماها فامة وأبوها سي أحمد تعدموا هنا

لو كانت هذه الساحة تتكلم لقالت أسرار كثيرة

اسمعوني يا حاضرين وانصتوا جيدا

الزاهية وحدها هي التي ستحل لغز فطومة

الزاهية تهجرات وفطومة غبرات ودار بريشا عمرات.

وبدأ “الأستاذ المتشرد” يدور على الساحة الجميلة بجوار دكان الزاهية وهو يقول: الزاهية تهجرات وفطومة غبرات ودار بريشا عمرات.

وبينما هو كذلك إذ تقدم فجأة رجل قوي وطويل القامة وله نظرات حادة وبدأ يشتم “الأستاذ المتشرد” ثم قال: كف عن الكلام أيها الصعلوك.  كما التفت إلى الناس المتجمهرين حول الأستاذ وقال لهم بصوت فيه استفزاز وبنبرة التهديد: هيا انصرفوا “كلها يمشي لدارو”. لكن “الأستاذ المتشرد” لم يصمت بل استرسل في كلامه فلطمه على وجهه وضربه ضربات عنيفة ومتسارعة حتى سقط الأستاذ أرضا فاقدا وعيه، وهو ساقط أرضا بدأ يضرب وجهه برجله. لم يرق هذا المشهد الهمجي حليمة فاندفعت بقوة نحو الرجل القوي وبدأت تبعده عن الأستاذ وتحميه بجسدها مستنكرة ما يقوم به هذا الرجل القوي والمشبوه وهي تصيح بصوت مرتفع: ليس لك الحق بضربه، هذا غير معقول هذا منكر، من أعطاك الصلاحية لكي تضربه.

قال لها الرجل القوي، واسمه المختار: ابتعدي يا بنت سلام فهذا ليس من شأنك.

قالت: لن ابتعد حتى تتوقف عن ضربه، فهذا الأستاذ يعرفه الجميع إنه رجل يحترم الجميع ولا يؤذي أحدا.

قال لها المختار: ألم تسمعي ماذا يقول؟

قالت حليمة إنه لم يقل شيئا فيه عيب، إنه يتحدث عن جدتي “الزاهية “وأمها “فامة” وامي “فطومة” فهاته النساء معروفاتبمواطنتهن الصادقة وبشعبيتهن الواسعة وحبهن للناس ولبلدهنوبنضالهن الكبير من أجل هذا الوطن، فاين هو العيب؟

قال لها المختار: الم تسمعي أنه يتكلم عن معتقل جنان بريشة؟

وبينما حليمة تجادل الرجل القوي استيقظ “الأستاذ المتشرد” وحاول النهوض لكنه لم يستطع، ثم قال وهو يمشي على ركبتيه ويديه قائلا:

أيها المتملق لقد أرهبتنا لسنين لكن لم تعد تخوفونا، إنك ضحية من ضحايا الجهل والأمية، فأنت عبارة عن “كركوزة” تحركك خيوط خارجة عن إرادتك، فإذا اخترت أن تكون لعبة في يد الآخرين فذلك شأنك، ولكن وجب علي أن أنبهك كي لا تعتقد أن صمت هؤلاء البسطاء الطيبين سيستمر إلى الأبد بل سيأتي وقت ويطهروا هذه المدينة العتيقة منك ومن أمثالك.

تقدم الجاسوس وبدأ يضربه برجليه من جديد. حينها انفجر غضب حليمة، وبدأت تتكلم بصوت مرتفع في وجه الجاسوس، لكن هذا الصوت كان جهورياوفصيحا، فكان كل من مر يقف ويتابع كلامها بإمعان، فتعجب سكان الحي وأصحاب الدكاكين لفصاحة حليمة التي كانت طفلة تصول وتجول وتلعب في هذه الساحة.  وتجمهر حول حليمة لمساندتها عدد كبير من سكان الحي وأصحاب الدكاكين، منهم “السي الطيب” الصانع التقليدي ورقية صاحبة “الرغائف” اللذيذة و”سي موح “بائع التوابل، وبائع الشموع السيد عبد الفتاح وسي عبد الغني بائع المنتوجات الجلدية، كما خرجت من مقهى المقاومة ثلة من شباب الحي ووقفت بجانب حليمة معلنة تضامنها معها، وحليمة مازالت مسترسلة في الكلام حيث لقنت ذلك الجاسوس درسا لن ينساه أبدا.

استغلت حليمة هذا التجمع لساكنة الحي وأصحاب الدكاكين لتعيد إليهم الذاكرة المفقودة، ولتذكرهم بحيثيات لا يعرفونها. فذكرتهم بنضالات أجدادهم وبرمزية هذه الساحة “ساحة المقاومة” التي تحولت من ذاكرة جماعية يفتخرون بها إلى مكان يختطف منه الناس ويرهب الوطنيين المخلصين الأبرياء. كما ذكرتهم بأن الناس كانت تموت من أجل أن يحيوا هم ومن أجل أن يتجولوا بكل حرية في أي ركن أو أي مكان من هذا الوطن. كما ذكرتهم كيف كان الناس يكافحون من أجل سلامة جيرانهم، ولا يتجسس بعضهم على بعض. وذكرتهم أيضا بأنهم أقوياء ببعضهم ضعفاء بتفرقهم، وأن الذئاب تأكل من الغنم التي خارج القطيع.

وبينما ساحة المقاومة ممتلئة عن آخرها بدروبها وأزقتها، وحليمة مسترسلة في كلامها القوي الذي لامس الضمائر وهز النفوس،  إذ “بالأستاذ المتشرد” يقول بصوت عال: هل تذكرون “الأستاذ عبد الصبور” منذ عشرين سنة، وها هو التاريخ يعيد نفسه في نفس المكان حفيدة عبد الصبور تقول نفس الكلام وبنفس الحماس ونفس الإيمان بالقضية، “سمعوا أولاد عباد الله مزيان” هذه هي حفيدة سي عبد الصبور وها هي بعد سنوات كثيرة تقول نفس الكلام الذي كان يقوله جدها، وأذكركم أن تلك المرة خذلنا “سي عبد الصبور” ووقعنا ضده عرائض وكان هؤلاء الجواسيس السبب حيث كانوا يخبروننا بوشايات كاذبة وكنا نصدقهم، فهاهي بين أيديكم فرصة لتكفروا عن ذنوبكم، فإياكم أن تخذلوها كما خذلتم جدها.

عندما سكت الأستاذ المتشرد، التفت الجمع فوجدوا أن الجاسوس قد اختفى ففرح الجمع وهنأوا حليمة على شجاعتها وفصاحتها. حينها أحس “سي سلام” بعياء كبير وقال لابنته حليمة: هيا يا ابنتي إلى منزلنا لقد تأخرنا كثيرا.

قالت حليمة: أكيد أن هذا الرجل “الأستاذ المتشرد” له أسرار عن اختفاء أمي،

قال سي سلام: سأعود إليه في الأيام القادمة وسأبحث في هذا الأمر.

قبل أن تنسحب حليمة وأبوها تأثرت عائشة بقول “الأستاذ المتشرد” وقالت: “ها العار” لا تخذلوا هذه الشابة المسكينة، لقد تركنا جدها وحده يقاتل من أجلنا، لكننا خذلناه ولم نحم ظهره، أنا أعلن تضامني مع حليمة واستنكر اختفاء فطومة وسأبقى إلى آخر رمق أدافع عنها وأحميها من يد الغدر. وبعد رقية أعلن “سي الطيب” تضامنه مع حليمة، ثم سي محجوب والعربي وغيرهم كثير.

لم تتصور حليمة أن كلامها سيؤثر في الناس بشكل كبير، وأنه سيرجع لهم ذاكرتهم المفقودة، وسيحفزهم لاتخاذ مواقف شجاعة ومشرفة. حيث، وفي وقت وجيز، تأطرت الساكنة في جمعيات حقوقية وتضامنية وشكل الشباب نواد ثقافية وتنموية كما أن رقية صاحبة “الرغائف اللذيذة”أسست عددا كبيرا من التعاونيات النسائية واسترجعت من خلالها كرامتهن وقيمتهن. كما عادت الأفران المهجورة التي كان يملكها مناضلون وطنيون للاشتغال بمواصفات جميلة، فاستبشر السكان بهذا الحدث الكبير حيث استرجعوا بعضا من جمالية المدينة العتيقة وبالخصوص جمالية ساحة المقاومة حيث عادت رائحة الخبز الرائعة إلى أزقة ودروب هذه المدينة المناضلة. والغريب في الأمر هو أن الجواسيس لم يعد لهم أثر في ساحة المقاومة بل في المدينة العتيقة كلها، غابوا عن المدينة وانقطعت أخبارهم. تأملت حليمة كثيرا هذه المفارقة الغريبة: فبالأمس كانت أفران المناضلين مهجورة ودكاكين الجواسيس قائمة، فدارت الأيام دورتها وأصبحتأفران المناضلين قائمة ودكاكين الجواسيس مهجورة. فبدأت تفكر حليمة في سبب هذه المفارقة العجيبة فوجدت أن الناس بتضامنهم يمكنهم صنع المستحيل، كما يمكنهم أن يتحرروا من العبودية والخوف إن كانوا صادقين، لكن الشرط في هذا هو أن لا يخذل بعضهم البعض.

الكتاب: التطاونيات

للمؤلف: د.عبد الوهاب إيد الحاج

منشورات جمعية التراث والتنمية والمواطنة

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا