جميل أن تقوم بين الفينة والأخرى برحلة هنا وهناك، أو أن تقوم بزيارة أماكن يشدك الحنين لزيارتها واستكشاف منشآتها ومآثرها والإطلاع على أحوالها وجديد ظروف ساكنتها.
وتبقى الزيارات الصيفية أو الإستجمامية هي المؤشر الحقيقي لمثل هذه المعايير السوسيو ثقافية، وإن إختلفت درجات الوعي والتعبير عن ذلك وتفاوتت كل من منظوره الخاص.
شدني الحنين مؤخرا في العطلة السنوية لزيارة إحدى المدن التاريخة شمال المملكة، والحقيقة أنها ليست المرة الأولى لمثل هكذا زيارة. فقد زرتها في العديد من المناسبات الخاصة أو العامة، وكان الإستمتاع ككل مرة سواء بأحد شواطئها على امتداد المتوسطي أو بأحد منتجعاتها الجبلية القريبة من المدينة، أو بجولة عابرة بأحد أسواقها التقليدية أو العصرية لإقتناء بعض الأغراض الشخصية أو العائلية.
هي تطاون أو تطوان الحمامة البيضاء،التي عرفت منذ العقد الأخير نزوحا سياحيا منقطع النظير ،وذلك راجع لعدة أسباب، أهمها ما عرفه المغرب عموما من طفرة اقتصادية وثقافية واجتماعية لم تكن الحمامة البيضاء بمعزل عنها أو خارج ديناميكية العجلة الإقتصادية الحديثة التي يعرفها المغرب عموما. وأنا في جولة سياحية داخل أسوار هذه المدينة. ولست هنا لاستعراض ما تزخر به المدينة من مآثر تاريخية فمآثر تطوان الكثيرة والمتعددة شاهدة على ماضيها الضارب في عمق التاريخ، وما استرعى اهتمامي في هذه الزيارة هو بعض الكتابات الأرضية، و هي على شكل رموز مختلفة الألوان والأحجام والدلالات. فقد تصاحبك في مختلف الأزقة وعلى امتداد جولتك داخل أسوار المدينة، وكأنها تشاركك الرحلة على امتداد خطواتك وعلى طول مسار رحلتك، من هنا هناك حتى تغادر اسوارها وكأنها أدت لك مهمة الإرشاد بكل سهولة داخل المدينة العتيقة.
والحقيقة أنها أثارت فضولي بشكل كبير ،ولم يهدأ لي بال حتى استفسرت عن مغزاها وفك رموز شفراتها، وكانت الحصيلة أنها اجتهاد رمزي وضعتها الجهات المعنية بالشأن المحلي. وهي عبارة عن توجيهات على أشكال هندسية لكل شكل معناه الخاص به. للمرور لمختلف الأماكن، رُسمت خصيصا لزوار المدينة الأجانب، حتى يتمكنوا من الولوج والخروج والجولان داخل الأسوار بكل سهولة وسلاسة.
وبعد الاطلاع على خريطة المدينة العتيقة، فقد اختزلتها في خمسة رموز مهمة، كل حسب دلالته الخاصة به .تتوزع بين الأبواب كباب التوت باب العقلة وباب النوادر وباب المقابر… والسقايات كسقاية باب العقلة وسقاية السلوقية وسقاية باب التوت…. والأسواق التقليدية حسب الحرف والمهن التقليدية والساحات كساحة الوسعة وساحة الغرسة الكبيرة… والمعالم التاريخية كدار الحكم والمطمر والمدرسة العتيقة لوقش… والمساجد كجامع القصبة وجامع الكبير ومسجد العيون ومسجد الربطة … وزاوية سيدي علي بن ريسون….
فكل من هذه الأماكن لها رمزها التعبيري الخاص بها الموسوم وسط طرق أزقة المدينة وعلى بعض جدرانها .وما على السائح أو الزائر للمدينة العتيقة سوى اتباع هذه الإشارات للوصول للمكان المراد زيارته.
وعليه تبقى هذه المبادرة وإن كان توثيقها متأخرا شيئا ما، إلا أنها جديرة بالتشجيع و الإهتمام والإعتناء والتجديد، وحفظها من التلف سواء بعوامل طبيعية أو بشرية بفعل آثار أقدام المارين، حتى لا تنمحي تلك الرموز وتضيع ويتيه الزائر وسط زحام المدينة.
هي اجتهاد محلي وتجربة رائدة على المستوى السياحي المحلي ،نتمنى أن تحدو حدوه باقي المدن التاريخية الأخرى التي تعرف رواجا سياحيا واستقطابا مهما للسياح الأجانب و المحليين على حد سواء.
