لا تُخبر العالم أنك بخير.. بل كن كذلك! - بريس تطوان - أخبار تطوان

لا تُخبر العالم أنك بخير.. بل كن كذلك!

في خضم الأزمات الخانقة التي تُطوق العالم…

في ظل الكوارث البيئية التي تنفجر في قلبه…

والأرواح التي تُحصد يومياً لأسباب مُتعددة و “غريبة” في أحيان كثيرة…

في ظل الانفجارات التي تنبثق من جوفه..

والهموم التي أثقلت الكوكب.. وأتعبت مساره الطبيعي …

في ظل الدموع المُنهمرة والدماء المُنسكبة والمُعاناة والآلام والأحلام..

في ظل الأوضاع الاستثنائية التي نعيش.. لا يزال بعض منا يتشبث بمذهب المظاهر.. بعُقدة الآخر.. يتشبث بها تشبث الرضيع بقميص أمه.. يتشبث بقوة ويحاول جاهدا أن يُثبت للعالم أنه بخير وأنه يأكل في أفخم المطاعم ويرتدي أغلى الماركات وأثمنها..

في ظل الكآبة المنتشرة في الأرجاء والأحلام المُتبخرة في العلياء.. لا يزال نفر من القوم يعيش العذاب النفسي الأليم ويتقاتل ونفسه، كي يراه الكل على أنه بخير وأن السعادة ميناءه ومرساه.. وأنه لم يتأثر قيد أنملة بما يجري حوله..

إن الهروب من الواقع، من الأحزان، والمشاكل، هو محاولة فاشلة يُثبت بها الانسان لمجتمعه أنه بخير.. بل يُعذب نفسه أولا وهو يحاول إثبات ذلك.. وإن أصعب ما يُمكن أن يعيشه الفرد منا هو أن يتقمص دور الانسان السعيد المُبتهج، وفي قلبه بركان حزن إن فاض ألهب العالم…

ثم أعود وأقول أنّ عقدة الآخر، لا تزال تسكننا وأن أغلبنا يعيش لأجل المجتمع.. يأكل من أجل أن يراه.. ويرتدي على ذوقه.. ويُمارس نشاطات رُبما لا تُشببه ولا تُسعده، فقط من أجل أن يُثبت للآخر أنه “كلاس” وينتمي للطبقة الراقية من المجتمع..

وهذا ليس بالجديد علينا ولا بالدخيل على ثقافتنا، حتى إن أقوالا كثيرة خلدها الموروث الثقافي المغربي تؤكد ذلك، “كل على ذوقك والبس على ذوق الناس”، بيد أن الجديد في الأمر، أن أكلنا أيضا صار على ذوق الآخر… إذ صار من المسلمات التقاط صور لطلبات المطاعم ونشرها في الحسابات الشخصية… ثم يُصبح من أغرب الغرائب إن أنت ارتدت مطعما ولم تشارك طلبك مع أصدقاءك في الانستغرام مثلا.. هناك فقط تجد نفسك علكة في أفواه عبدة المظاهر.. لماذا لم يوثق؟ لا بد وأنه طلب أرخص ما في القائمة!… أ ليست عقدة المظاهر تحتل أعشاش عقولنا؟ أ ليس لكلٍ منا مآسي يعيشها أصعب وأقوى من هذه التفاهة؟!… ثم ماذا بعد، ماذا لو لم نشتري الغالي والنفيس؟ ماذا لو لم نأكل ما يُحب أن يراه الآخر…؟ أين الخلل؟ وأين تكمن المُشكلة؟ وماذا سيضيف لك أنت كانسان يشاهد حياة الآخر وهو يُتعب نفسه ويتزين من أجلك!

لتظل، ورغم كل ما ألّم بنا وما زال يُتعبنا ويجرحنا، حياتنا رهينة بنظرة الغير وبتقييمه لها، وبمدى رضاه عنها.. لم نتعلم بعد أن السعادة قرار شخصي والحصول عليها إنجاز شخصي، وأن الحياة الأحلى والأجمل والأسعد تلك التي نعيشها في منآى عن أعين الناظرين..

لم نستفد بعد، من الكوارث التي يُمكن أن تمحينا من على وجه الأرض في أي لحظة.. وأن تُذيب كل الزينة التي تعبنا فيها في رمشة عين.. لم نستطع بعد، أن ندرك أن الحياة أسهل مما نتصور وأبسط مما نظن.. وأن الأيام التي تنتهي ولم نفقد فيها شخصا ولم نُفقَد فيها نحن هدية إلهية لا تُقدر بثمن…!

وعن التجارب الشخصية، وعن المصائب التي تُفجع العالم كل يوم، وتقض مضجع الفرد منا كل ليلة.. بات أثمن ما أملك هو الساعات التي تُقدم لي على طبق من ذهب كل صباح حين أستفيق على طيور شرفتي وهي تنقر زجاج النافذة، وعلى صوت المنبه الذي يُنبهني بموعد عمل يؤمن قوتي..

بعد كل ما حدث وما زال يحدث بقسوة أمام عيني، أصبحت أغلى مُمتلكاتي وأثمنها، الرؤية التي أنعم بها وصحة والداي، وأطرافي الكاملة التي تُغنيني عن أي اتكال أو صدقة بشرية..

وقد أدركت اليوم، أن المظاهر كذبة تأتي طيلة السنة، ولا تنتظر شهر أبريل كي تزهر أوراقها، وأن اللحظة السعيدة تلك التي نعيشها ونحياها برغبة جامحة تندفع من دواخلنا، وأن الجمال الحقيقي هو المُنبعث من أرواحنا لا ذاك المُستعار بالمساحيق.. وأن أصدق ما فينا ينبثق في لحظة تخلص النفس من القيود والأغلال، وحينما، فقط حينما، نكون نحن أنفسنا نحن.. لا كما نُريد أن يرانا الآخر..

ليس عيبا أن نشارك بعضا من الجمال الذي نعيشه في حياتنا مع الآخر، لكن العيب أن نشاركه كي نتباهى بحياة لم نصنعها نحن، ولم نُشيدها نحن ولم نتعب في ترميمها..

ولا أزال أعيش لحظة بلحظة ما كُتب لي من عمر، ولا أزال أحاول استغلالها قدر الإمكان في القيام بما أُحب ومع من أحب.. بعيدا عن العقد التي تُثير الشفقة.

رفقاً بقلوبكم، فإن أصعب الذنوب تلك التي نرتكبها في حق أنفسنا، وأخطر الجرائم تلك التي نُضحي فيها بأثمن ما نملك: “السلام النفسي”.

رفقاً بقلوبكم، فإن العيش حراً طليقاً أروع ألف مرة من سجن ذهبي، وأن هذه الحياة التي نعيشها يُمكنها أن تنفلت من قبضتنا في أي لحظة.. فلنعشها بهدوء.

 


شاهد أيضا