رحلة عبر الموسيقى التطوانية - بريس تطوان - أخبار تطوان

رحلة عبر الموسيقى التطوانية

ليس من الغريب أن ينبهر المستمع بثراء ورقة الموروث الموسيقي لتطوان وطريقة الحفاظ على استمراريته، فعدة عناصر، تناقلها المؤرخون، على قلة ما خصصوه لهذا الباب، تقف وراء خلود هذا الموروث المتميز ومنها أن مدينة تطوان لعبت، تاریخیا، دورا مزدوجا ارتكز على الحفاظ على الشيء والابداع فيه.

ففي أواخر القرن الثامن عشر، كلف السلطان سيدي محمد بن عبد الله السيد محمد بن حسين الحائك التطواني الأندلسي بجمع وتصنيف النصوص الشعرية لموسيقى الآلة. وضم هذا العمل قرابة الألف نص، يجمع بين شذرات قصائد وموشحات وزجل مع مقدمة نظرية، ليكون مرجعا وحيدا في المجال ومصدرا أساسيا لكل دراسة أو بحث في الموضوع خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

وإلى جانب التداول العادي لموسيقى الآلة، تم الحفاظ عليها من خلال استعمال شعر الموسيقى الأندلسية وأوزانها في الأمداح والأذكار بالزوايا، وخاصة منها الريسونية والحراقية.

هذه الأخيرة أسسها الفقيه والصوفي والشاعر سيدي محمد الحراق الذي ظلت أشعاره متداولة في كثير من زوايا البلاد إلى اليوم، وتعتبر من أفضل المدارس لتعلم الموسيقى والغناء والمديح والسماع.

وفي القرن التاسع عشر أبدع سيدي عبد السلام بن ريسون، العلامة المتعدد المناهل، بابتكار تعديلات على آلة البيانو لتكييفها مع إبداعاته الموسيقية عبر إدخال أجزاء معدنية، ليضع ترتيبا جديدا للألحان الأندلسية بأنماط مختلفة تعتمد على التتابع وعلى أساس أنماط مشابهة.

وعلى مستوى تعلم الموسيقي بالطريقة الشفوية، لم يدخر أساتذة تطوان أي جهد في تعلم وتعليم هذه الأخيرة حيث حفظ الأستاذ سيدي محمد شاودري، الذي توفي سنة 1929، ألف ومئتي مقطوعة موسيقية.

ومنذ منتصف القرن العشرين، ساهم مفكرون ووطنيون بارزون، إلى حد كبير، في تحديث الموسيقى التطوانية، مثل الحاج محمد بنونة ومحمد بن لبار وغيرهما.

مع بزوغ فجر الاستقلال، حدث تحول كبير على الموسيقى الأندلسية على مستوى الأداء والنص مع سطوع نجم المعلم الكبير محمد العربي التمسماني، مدير المعهد الموسيقي، الذي قام بإصلاح وإعادة هيكلة الأوركسترا الأندلسية وطعمها بمواهب شابة وآلات أكثر حداثة وتجانسا.

واجتهد محمد العربي التمسماني في تطوير الجانب الجمالي للأداء وأبدع في تنسيق الأشعار لتعطي وحدة موسيقية متناسقة، واضحا وممتعة، حيث ساهم، هذا المعلم في الحفاظ على التراث الأندلسي عبر تسجيل عدد كبير جدا من المعزوفات ببراعة كبيرة وباستعمال نص موسيقي وضع على أسس علمية.

ويظل عازف الكمان والمغني عبد الصادق شقارة، هو الفنان المتميز، الذي ترك بصمته الخاصة في الموسيقى، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، على المستويين الأكاديمي والشعبي، من خلال تكييف الذخيرة المحلية لتنال إعجاب الأذواق المعاصرة.

كما كان للتراث الجبلي، القروي، نصيبه في اهتمام عبد الصادق شقارة، الذي أبدع في أغنيته الشهيرة “الحبيبة جرحتني” وغيرها من الأغاني التي شنف بها أسماع الحواضر المغربية.

وبالنسبة لإسهامات المرأة التطوانية، فإنه لا يختلف اثنان في أن العنصر النسوي، ساهم، عبر العصور، في الحفاظ على الموسيقى التطوانية؛ إذ تناقل المؤرخون سيرة عدة نساء من بينهن زهور ابنة القاضي عبد الرحمن حايك، التي يقال إنها حفظت وأنشدت عددا كبيرا من القطع الأندلسية وكانت لديها مجموعتها الخاصة، وعائشة بنت عبد السلام فيرناشو التي كانت، بالإضافة إلى حفظها للموسيقى الأندلسية، تعزف على العود.

لا تخلو لائحة المنشدات من أسماء ظلت مرسومة في الذاكرة التطوانية من أمثال منانة خراز، وزهرة أبيتيو أو علياء مجاهد اللاتي توقد حثينا خاصا لدى أهل تطوان، المدينة التي تميزت عن مثيلاتها بتعدد الأوركسترات النسائية التي احتكرت تنشيط الاحتفالات النسائية.

هذه المجموعات النسائية احتفظت بنبرة خاصة ومتميزة، بجمالها، في التغني بالموسيقى الأندلسية والموسيقى الشعبية أو القصيدة الجزائرية التي أتى بها المهاجرون الجزائريون إلى تطوان في القرن الثامن عشر عقب استعمار فرنسا لبلادهم، والذين اندمجوا بشكل تام في المجتمع المحلي.

وهكذا، فإن الموسيقى التطوانية، تظل فنا عريقا تلتقي فيه نغمات مختلفة المصدر، وتتجمع فيه أساليب وأنماط متنوعة وغنية لتغذي الروح المغربية الأندلسية وتعطي أنموذجا في الرقة والجمال والمتعة.

العنوان: تطوان إرث وطموحات متوسطية

إشراف: كريمة بنيعيش / سعيد الحصيني

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا