ديوان "صاحبة السعادة".. حينما يبعث الموت على التأمل - بريس تطوان - أخبار تطوان

ديوان “صاحبة السعادة”.. حينما يبعث الموت على التأمل

يبعث الموت على التأمل وطرح أسئلة الوجود عن الماهية والمآل. لكن الشاعر يضاعف من إحساسه وهو يتأمل، ويبحث شعورا ونظرا في الموت. انطلاقا من إعمال الذهن والحواس في هذه الحقيقة الثابتة، دون تحول أو نسبية. خطرتني هذه الفكرة، وأنا أتداول المجموعة الشعرية المعنونة بـ”صاحبة السعادة” للشاعر عبد الحق بن رحمون، الصادرة مؤخرا ضمن منشورات مقاربات المغربية.

ويبدو بشكل كبير ان المجموعة ترصد انطلاقا من الذات أثر وفاة الأم، بحنو وحنين دافق. فأدى ذلك إلى العودة للكتابة الشعرية، لصب أوجاع الشاعر وآلامه. فغدت هذه الأخيرة منثورة على مشارف الحياة. طبعا بفضل صياغة شعرية، تعيد طرح وبناء الأشياء، اعتمادا على عدة من التجربة والمقروء.

هنا نلاحظ، هذا التداخل، بل التشابك بين موت الأم وأثره، بل أخاديده في الأعماق والملامح. من منظور الذات التي تسند عدة المتصوفة في اختيار المسلك والسفر؛ قصد الوصول للعلة المتمثلة هنا في الله. فالوصول يقتضي سلك أودية أو مدارج (وادي الطلب، وادي العشق، وادي العرفان، وادي الاستغناء…). وما الوصول بعد الوصول إلا العودة لنقطة البدء أو النفس.

ومن المؤكد أن الشاعر هنا أعاد قراءة معطيات المرجعية الصوفية، على ضوء تحولات المرحلة والحدث المؤلم (موت الأم). الشيء الذي منح ترميزا للأشياء المرصودة. منها الانفصال عن أم تمثل كينونة، يراها الشاعر سابحة في الوجود. لهذا، قدمت هذه الكلمة «الأم» كاستعارة كبرى تدل على الانغراس في المكان والزمان؛ بل في الذات التي تسترجع فصولا من الذاكرة ومن المرض أو الاحتضار… إنها ليست حياة مستعادة فحسب؛ بل تخيل حياة ثانية، كون وجود الأم مستمرا في المكان والزمان بصورة أخرى يغذيها التمثل والتخيل. نقرأ في ديوان «صاحبة السعادة » من نص «في مديح الأم»:

سلاما..سلاما
أمي
غيابك
قربك
بعدك
حضورك
في المقام الأرفع

واسمك سين

والسين سر الوجود الأبدي

ما من شيء حطت عليه يدك

إلا صار خميرة الأرض

إن أثر الوقوع وتجلياته النفسية هنا، خلق حالة لغوية خاصة، من مظاهرها اعتماد الحوار الشبيهي أو المفترض بين الذات والأم. لكن الذات ظلت تنتظر العودة المستحيلة للأم، ضمن مقامها الهادف محنة إلى التوحد. وقد اقتضى ذلك حضور النداء المقامي أو السياقي الذي تحول معه البعد إلى قرب. هذا فضلا عن حضور أساليب حجاجية (النهي، الاستفهام، الأمر..). لكن تم تليين الحجة البرهانية، لتغدو عرفانية أو مقامية، تنزاح عن الوظائف التواصلية المعتادة. نقرأ في المجموعة الشعرية نفسها، من نص «المحبرة»:

اغترب تبصر البحر في كف المحبرة

صوت الأشجار تحكي قصصه

أولى ليالي الفطرة

كلما تقدمت بقدم سبقتني القدم الأخرى

كلما كتبت كلمة سبقتها الكلمة التالية

كلما غرد الطير تبعته باقي الطيور

غير خاف، أن قوة الحدث وتأثيره منح المجموعة وحدتها العضوية وطريقة خاصة في التعامل، لغة وتأملا شعريا مع الحدث والعالم.. أي النظر لكل شيء، انطلاقا من الفقد والحنين. وبالتالي «التيه» في النغمة الشاردة والسابحة في اللغة كـ«مسكن للوجود» كما يطرح هايدغر. فتنوع السفر من وإلى، من الذات إلى الأم، إلى الله/ المبتغى. ثلاثة أقطاب تتداخل وحدة، وتتوزع طرقا ومسالك (الحب، المحب، المحبوب). لتغدو في الأخير الأم حقيقة بدورها، يسعى الشاعر للوصول إليها؛ بل تأليهها دون خصام مع الله. فهي بجواره. والشعر شاهد.

مارست الذات من خلال وقع الحدث، حفرا شعريا، في معنى الحياة، في حقيقتها وامتدادها. الحياة الصغيرة التي تضم وتجذب إليها الآخر. وبالتالي تمرير رسائل للمجتمع والحياة (في شكلها العام).

انطلاقا من مربعات صغرى (قصائد)، تتخذ شكل مقامات ومدارج للسفر، عبر ترميز يتغذى على مرجعيات شعرية، صوفية.. فقامت الذات في تمثلها، بتأثيث حياة أخرى، من خلال السفر إلى الأم هناك. هنا، يتم تبادل الحوارات والتجاذبات مع الأم، وهي تقوم بأفعال متخيلة. في هذه الحالة، تتحول الذات إلى خيط سابح، متخفف أكثر من إطارات العالم المادي ـ الاستهلاكي؛ بما في ذلك حمولة العقل، استنادا إلى الحدوس والعرفان. وبمعنى آخر فيوضات الذات، وهي ترمز بعض الأشياء، لتغدو مفردات حياة (الماء، الحبر، البحر، الحرف، المسلك، الطير…) على ضوء جدل آخر، قوامه الحب والسفر، بالمعنى العميق لكلمة السفر كطريق وأودية غير منتهية. نفتح العين على نص «كلنا مرايا لبعض»:

ليتني مرآة

أو صورة للماء

لعرفت المعنى

بلا وسطات المجاز

أو بيان الضوء الساطع

وانتظار مواقيت الظلال

عبد الحق بن رحمون واحد من الأسماء التي تؤثث القصيدة المغربية والعربية المعاصرة بلمسات شعرية خاصة. ويبدو أن حدث الموت هذا، فجّر مسيرته الشعرية، لتقيم في الحرف الرائي. استنادا إلى المرجعية الصوفية التي وظفت وتوظف بشكل كبير في الشعر المعاصر، لكن أحيانا توظف بضحالة أي دون التفاعل وقراءة هذه المرجعية في شموليتها ونظرتها للعالم. على أي، هذه المجموعة عاركت هذه التجربة، تحت ضربة الموت. فتم تطعيم التجربة الشعرية هنا بإشارات المرجعية الصوفية، على ضوء معطيات الحدث الأم، في الحياة والكتابة. أي تعالق الحياة والموت. فغدا الموت مرمزا كشكل من الحياة، في الشعر وبه.

 

عبد الغني فوزي/ شاعر وناقد مغربي

بريس تطوان


شاهد أيضا