دور الطرق الصوفية في المحافظة على الموسيقى الأندلسية بتطوان (الحلقة الثانية) - بريس تطوان - أخبار تطوان

دور الطرق الصوفية في المحافظة على الموسيقى الأندلسية بتطوان (الحلقة الثانية)

دورنا هنا فقط هو التعريف بسيدي محمد الحراق، هذا العالم الصوفي الكبير الذي يعد أحد الأعلام البارزين في المغرب، فقها وعلما وشعرا، ونثرا، وإليه يعود تأسيس الزاوية الحراقية التي صالت وجالت في العالم الصوفي والطرب الأندلسي منذ أن كانت وإلى يومنا هذا. قدم من فاس إلى تطوان بعدما درس بها أعواما منتدبا من السلطان مولاي سليمان ليقوم بالتدريس بالجامع الأعظم والخطبة بمسجد العيون، فانتشر علمه الواسع وتهيأت له أسباب القبول في المجالس العلمية، فالتف الناس حوله ولم يضاهه أحد من علماء زمانه نبوغا ومعرفة، إلى جانب اهتمامه بالغناء والموسيقى وتلحين أشعاره الصوفية في قالب شجي الأنغام والطرب.

تضاربت فترة مولده بمدينة شفشاون مسقط رأسه بين عام 1188 أو 1186 عند المؤرخ محمد داود وبين عام 1197 هجرية، على غير تدقيق عند التهامي الوزاني وأن وفاته كانت مؤكدة عام 1271 هجرية بينما  التحقيق عند داود أنه توفي عام 1261 هـ استنادا على عدة مراجع ذكرها في مؤلفه… وانتقل صحبة والديه من مسقط رأسه بشفشاون إلى مدينة فاس لتلقي العلوم عام 1215 هجرية وعمره آنذاك ثمان عشرة سنة، تواصل فيها أخذ العلم والتدريس مدة تسع سنوات قبل أن يلتحق بتطوان عام 1224 هجرية، كأصغر عالم بها على الإطلاق لم يتجاوز بعد سن السابعة والعشرين من عمره.

وقد تناول العالم الكبير والصوفي الزاهد، الكاتب، والباحث، والسياسي، والصحفي، والروائي، الشيخ التهامي الوزاني رحمه الله حياة الشيخ سيدي محمد الحراق بتفصيل من البحث والتدقيق، وإليه المرجع في التعريف بالزاوية الحراقية وبشخوصها اللوامع وفي مقدمتهم سيدي محدم الحراق وكتابه “الزاوية” يعتبر تاريخها لهذه الطريقة الحراقية، وعليه نعتمد في نقل المعلومات الرصينة عن هذا الشيخ الكبير الذي قال في حقه التهامي الوزاني:

“كان الشيخ الأكبر سيدي محمد الحراق ناطقة عالية قلما قراناها لأحد من كبار القوم، وغزل رقيق يصل البعض منه إلى أعلي درجات البلاغة التي عرفها ذلك العهد والعصور قبله، لا في المغرب، ولكن في العالم العربي، والشيخ الحراق الأكبر هو الشاعر المغربي الذي يمكن للمغاربة أن يعدوه في أول من يعدون من شعرائهم ومفكريهم على الطريقة الصوفية التي لم يكن عليها إلا أفذاذ هذا الفن، وكل من قرأ ديوان شعره وكان على شيء من معرفة الصناعة يستطيع أن يفرق بين الشعر الذي كان ربما أنشده في زمان صباه، والشعر الصقيل الرزين الذي لا يقوله إلى فحل من فحول اللغة العربية.”

أما الفقيه محمد داود فقد وصف الشيخ الحراق في كتابه “النور البراق” بأنه: “العلامة الأديب الشيخ الجليل، المربي الكبير، سيدي محمد الحراق، أحد الرجال الذين لا تفتخر بهم مدن شفشاون وفاس وتطوان فحسب، بل يحق للمغرب كله أن يفخر به، لأنه رحمه الله كان بحرا زاخرا في العلم، وجبلا راسخا في المعرفة، وكان إماما في ثلاثة علوم، قلما اجتمعت في رجل واحد في الشرق والغرب، علوم الشريعة، وعلم الأدب، وعلم التصوف. كان في مقدمة العلماء الفقهاء، فقد درس في مختلف العلوم العقلية والنقلية.

وبكثير من الإعجاب بهذه الشخصية العلمية الصوفية الفذة، كتب الفقيه الرهوني في عمدة تاريخ تطاوين أكثر من عشر صفحات عن الشيخ سيدي محمد الحراق، ملما بكافة جوانبه العلمية والنقلية والصوفية والأدبية فهو: بحر من علم تلاطمت منه الأمواج كما يقول في نظمه عنه:

تلاطمت الأمواج من بحر علمه *** وقد مرج البحرين من عين حكمة

فشبهه بالبحر من كثرة المفاهيم والمدارك والأذواق وشبهه بقطب الأقطاب، وشبهه بالنور المحمدي الذي يهدي العالمين لجنة التوحيد والمعارف الإلهية. واسترسل هكذا إلى أن قال:

ولست أراني وفيا بعض حقه وإن فنيت أعماري في عد مدحه.

عن “الأجواء الموسيقية بتطوان وأعلامها”

لمؤلفه محمد الحبيب الخراز

بريس تطوان/يُتبع…


شاهد أيضا