دور الزاوية الحراقية في المحافظة على الموسيقى الأندلسية - بريس تطوان - أخبار تطوان

دور الزاوية الحراقية في المحافظة على الموسيقى الأندلسية

بريس تطوان/يتبع…

ولد الشيخ سيدي إدريس الحراق 1286 هجرية 1869 ميلادية بمسقط رأسه بتطوان وفي بيت عائلته وأجداده. ونشأ على الطريقة الصوفية، وعاش في التجريد على يد شيخه سيدي الحاج عبد القادر أحمد بن عجيبة.

وفي عهد الشيخ سيدي إدريس الحراق عرفت الزاوية الحراقية مرحلة ثانية ومتجدة من عالم الصوفية. وفي عهده أسس مدرسة موسيقية متكاملة، حافظت على طابعها الأندلسي بأوزانها وأطباعها وأدراجها، وانتشلت الكثير من نوباتها من الضياع والاضمحلال أما الفقيه الرهوني فقد تحدث عن سيدي إدريس الحراق حديثا طويلا مطولا مما ورد فيه: “وهو رجل نشأ في الذكر والعبادة وجمع الناس على ذلك وحب السماع وحفظه منذ كان صبيا إلى أن توفي رحمه الله، ولا زالت دار الزاوية الشيخ سيدي محمد الحراق معمورتين بذكر الفقراء وسماعهم رجالا ونساء وخصوصا في عشية الجمعة وليلتي المولد وعاشوراء، فإن الفقراء ياتون إليها من جميع القبائل برجالهم ونسائهم في الليلتين المذكورتين فيأكلون ويشربون ويذكرون الله ويتنعمون بالسماع ويرقصون ثم يرجعون إلى حيث يأتون. وذلك كله بوجود سيدي إدريس الحراق ولهم عادة قراءة بردة البوصيري في الساعة العاشؤة صباح كل جمعة، وقراءة همزية كل ليلة خميس بأنغام شجية وإنشادات زكية، وقد صاروا الآن يخرجونها بنغمات الأوتار، وصراصير الطار، فيكون بها وقع جميل في جميع الأفكار، ولولا ما حدث في هذه الأزمنة من اختلاط الرجال بالنساء ومن في حكمهن لكان ذلك من أجل الأذكار. وترجمة هذا الشيخ تحتاج إلى دفاتر، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله”.

وبفضل الانتشار الواسع للدور الطرقي لهذه الزاوية، ولمكانة مؤسسها سيدي محمد الحراق، حظيت بأول رحلة قامت بها إلى جنوب المغرب بعد فصله عن شماله، كجانب سياسي أراد أن يستغله الجنرال ليوطي بعد قيام الحرب العالمية الأولى للرد ميدانيا على من أتهم فرنسا بمنع الاتصال بين سكان الجنوب وسكان الشمال، فجاءت هذه الرحلة التي ترأسها الشيخ سيدي إدريس الحراق، ومعه جمع غفير من الفقراء ومن المطربين المحبين للموسيقى والطرب الذين كانوا يشكلون جوقا موسيقيا متكاملا من أللآليين والمنشدين والمسمعين ممن لهم الأصوات الحسنة، خصوصا وإن الفن في عهده كان مزدهرا ووصل إلى درجة الزهو والافتخار والابتكار.

ومما هو جدير بالذكر أن الفقيه الرهوني استغل ما أشار إليه من اختلاط النساء بالرجال (وهو أمر غير وارد بشأن هذا الاختلاط) فحمل على الشيخ إدريس الحراق والهجوم عليه في المسجد الأعظم وانتقاد طريقة الزاوية في استعمال الموسيقى والطرب مع الأمداح وفي فسح المجال للمرأة التطوانية لولوج مقصورات الزاوية للاستماع إلى نغمات الطرب والإنشاد.

وكان هذا على ما يظهر قبل أن يتراجع الفقيه الرهوني عن موقفه أعلاه، الذي قال فيه: “وقد صاروا ألان يخرجونها (أي الهمزية) بنغمات الأوتار وصراصير الطار، فيكون بها وقع جميل في جميع الأفكار).

والغريب أن التهامي الوزاني الذي يروي هذه الأحداث ويصفها بالصراع العنيف الذي كان بين الشيخ وبين بعض جماعة الفقهاء بتطوان يصعد هو نفسه إلى الزاوية وهو “غافل عن أن الوطيس حام” وإن الفريقين قد بلغ الحنق من كل منهما غايته”.

وعادة أن الصراع بين التقليد والتجديد طبع أحوال الأمة العربية منذ كانت أمة بهذه الصفة، وما زالت تطبعها إلى اليوم، ولذلك فهي عادة محكمة في عقولنا، أحببنا أم كرهنا، والمعارك بين الفقهاء تنشب فقط لأتفه الأسباب وبمجرد مسألة بسيطة ليحمى وطيسها وتؤلف عنها الكتب والأسفار.

وفي رأيي إن الجانب الموسيقى استغل في المسائل الدينية من بعض الفقهاء المتصفين بالجمود والمتشددين في الأمور الدينية، ولذلك فهم لم يلاينوا أطباع الناس وأهواءهم وميولاتهم، وتسيير الأمور تسييرا لا يجافيه الدين، ولا يؤثر في سلوك الناس وأخلاقهم، فلم يبق لموقفهم صولة ولا جولة.

ولكن هذا الهجوم من طرف الفقيه الرهوني على الشيخ إدريس الحراق وعلى الزاوية الحراقية كان سببا في الإقبال الكبير من أعيان تطوان على الزاوية وعلى الحرص غفي الحضور في مجالسها الفنية والأدبية والدينية، وفي فتح فروع لها في القبائل المجاورة لتطوان وفي بعض المدن المغربية الحضارية كالرباط، وفاس والدار البيضاء، وغيرها.

وحتى نضع القارئ في صورة من الأبهاء والأجواء لبداية هذه المرحلة، أنقل بعض الفقرات لبعض    مجالس الطرب والسماع والموسيقى للزاوية الحراقية كما جاءت في كتاب الزاوية:

“وكانت الزاوية الحراقية في هذه الأيام التي نتحدث عنها بلغت قمتها الحيوية والحركية، واشتهرت دون الزاويا بالغناء والطرب”.

وفي معرض آخر: “أما سيدي إدريس الحراق فإنه كون مدرسة فعلية للطرب، فاشترى كل آلة لهو من آلاته التي كانت في تلك الأيام تباع بكثرة، لأن الناس بعد فرض الحماية عمهم الحزن والكدر، فتفرقت مجامع اللهو والانشراح، وحسبوا أنهم لم يبق شيء يسرهم في الدنيا واستسلموا لليأس والقنوط فطفق أغلبهم يبيع آلات لهوه وطربه، فكان الشيخ الحراق يبالغ في أثمان هذه الأدوات وقيمتها، حتى جمع أفضل الربائب والكمانات وكل آلة جميلة”.

ويصف التهامي الوزاني بعضا من أعمال الطرب للمدرسة الموسيقية بهذه الزاوية، ذاكرا أن الفقيه محمد الحبيب كان من أمهر صناع العيدان والأوتار، وهو الذي تكفل بإصلاح اية آلة في غرفة الزاوية التي تحولت إلى شبه مصنع من مصانع الطرب ومدرسة من مدارسه”.

لقد استأثرت الموسيقى في هذه الأجواء من الطرب بعقول الشباب الذي بدأ ينفتح على عقلية الغرب، وعلى تقاليده، وعاداته، بعد دخول الاستعمار الاسباني إلى شمال المغرب، وفرض الحماية عليه، وقد كان الجانب الفني والموسيقي طاغيا على عقلية الاسبانيين يضعونه في مقدمة اهتماماتهم القافية والأدبية. فكانت الزاوية الحراقية بديلا لهذه النهضة الفنية، ووجدت إقبالا عليها من شباب تطوان، ويصف التهامي الوزاني هذه المرحلة بقوله: ” وكان أكثر المطربين الجدد من الشباب الحسان الذين لا يزالون في مقتبل العمر، وكلما سمع الشيخ بفرد له صوت حسن أو له إلمام بالفن الموسيقي بعث وراءه وأسدى له من الإحسان ما يجعله قرير العين، وأدرجه في زمرة أصحابه، وكان المطربون يأخذون كل ما يحتاجونه من أدوات الطرب، وربما كسروها، ومزقوا أوتارها وربما ملكوها. والشيخ في كل ذلك مسرور مبتهج”.

ومعلوم أن طبيعة الغناء هي النقر على الآلات فهي التي تفتح للنفس ارتياحها وللأذن سماعها، وللنغم طربها، ولذلك ارتقى الغناء في هذه المرحلة، وخاصة الغناء الصوفي الذي أضفى عليه الشيخ إدريس الحراق بهجة المكان وسحر الجمال، وعبق الرائحة من العود القمري الهندي، وكؤوس الشاي في كؤوس البلور والعنبر الصافي، وأقفاص الطيور المغردة التي تزيد بتغريداتها حسا آخر من الأنغام والإشجان. وإشراك الطيور المغردة مع آلات الطرب ابتكار جديد، يرغب في الحضور ويحبب القلوب في استيعاب أطياف وألطاف النغم الموسيقي.

وبهذه الأجواء اللطيفة دخلت أصداؤها إلى البيوت الكريمة بتطوان، حتى أصبحت النساء يؤمن الزاوية لأول مرة في تاريخ المغرب، لتشاركن بالحضور في مقصوراتهن الخاصة حلقات الذكر والمديح والسماع.

عن “الأجواء الموسيقية بتطوان وأعلامها”

لمؤلفه محمد الحبيب الخراز

 


شاهد أيضا