دروس الرياضيات - بريس تطوان - أخبار تطوان

دروس الرياضيات

ونحن صغارا كنا نسمع مرارا عبارة ” آش كَتْعَلْمُوا فهاد المدرسة ”  من طرف الآباء والجيران كلما صدر منا خطأ أو سلوك يستحق التنبيه أو العقاب، فكنت أتساءل مع نفسي بعقلية وبراءة الأطفال عن جدوى وتأثير بعض المواد الدراسية التي تلقيناها في مختلف الأسلاك الدراسية وعلاقتها بالتربية والحياة الاجتماعية.

لعل البعض منا يتذكر إبان مرحلة الابتدائي والإعدادي في السبعينات والثمانينات دروس الرياضيات، وأبرزها درسين بعنوان “الخطان المتوازيان” و”الخطان المتعامدان”     «  les lignes parallèles » et « les lignes perpendiculaires »   حيث كنا ندرس آنذاك مادة الرياضيات باللغة الفرنسية، منذ حينها لم أتذكر أنني استفدت من هذين الدرسين في أي منحى من مناحي الحياة اليومية، إلى أن استحضرت واسترجعت  مجددا علاقتي بهذه الخطوط وأدركت معناها ومغزاها.

تجديد العلاقة هذه ليس مرتبطا بمسألة دراسية ولا علمية، بل بقضايا اجتماعية صرت أعيش أطوارها داخل بلدنا الحبيب، حيث أتأكد كل يوم أن الطبقتين الاجتماعيتين الرئيسيتين المشكلتين للنسيج الاجتماعي ببلدي يسيران وفق قاعدة الخطين المتوازيين، أي في اتجاه يستحيل عليهما التلاقي في أي نقطة أو ملتقى أو محور جراء التناقض السافر بينهما.

فلا يمكن لقاطني الأحياء السكنية الراقية التي تتوفر على طرق معبدة وإنارة عمومية ومرافق ضرورية وترفيهية أن يتعايشوا مع سكان الأحياء العشوائية و بيوت القصدير والمنازل الآيلة للسقوط.

ولا يجوز لأطفال المدارس الخصوصية والبعثات الأجنبية الذين يجدون حضن وسيارات أولياء أمورهم في انتظارهم بباب المؤسسة، أن يقطعوا مسافات طويلة مشيا على الأقدام للوصول إلى ما يشبه مؤسسات تعليمية على غرار ما يفعله أقرانهم بالمناطق الهامشية والنائية.

ولا يصح لمرضى المصحات الخصوصية بالداخل والخارج أن يناموا في نفس الغرف مع أصحاب بطاقة الرميد  في المستشفيات العمومية.

ولا يرضى أصحاب السيارات الفارهة المكيفة أن يركبوا صناديق يسمونها حافلات عمومية تقل أكثر من طاقتها الاستيعابية، وركابها يذوقون شتى أنواع العذاب صعودا وجلوسا ونزولا.

أسئلتي هذه لا تعني رغبتي في نزول الفئة الأولى إلى الأسفل، وإنما تعكس أمنيتي في صعود الفئة الثانية إلى مرتبة الأولى، فكل يوم  تزداد الهوة ويتضح التباين وتتجلى الفوارق في شتى مناحي الحياة  من تعليم وصحة وإسكان و شغل وتغذية وترفيه وأفراح وحتى في الأحزان.

إن الفراغ المهول الذي ما فتئ  يكبر ويتسع  بين الخطين المتوازيين الذين يبدو أنهما لن يلتقيا أبدا، مرده ليس إلى غنى البعض وفقر البعض الآخر، وليس اجتهاد البعض وكسل وخمول البعض الآخر، وليس حسن حظ البعض وسوء حظ البعض الآخر، وإنما مرده بالأساس إلى تراكم سياسات سنت بالبلد منذ فجر الاستقلال، حيث تحكمت نخبة من المسؤولين والأعيان والسياسيين في خيرات البلاد وأعدت أبنائها لتحمل مراكز القرار والمسؤولية تاركة البقية تتغدى على فتات ما جادت به الفئة الأولى، إلى أن تضخمت الهوة واحتدم الصراع بين من يعتقد أن الفقراء وبال على البلد ويسيئون لسمعته ويهددون استقراره، وبين من ينظر إلى الأغنياء كأنهم لصوص نهبوا خيرات البلد دون أن يضعوا نسبة من الاستثناء في تقديرهم وحكمهم.

هذا الوضع يوحي إلي أنه لا خوف على بلدي من أعدائه الخارجيين والمحيطين والمتربصين به  بقدر خوفي عليه من أصحابه وأهله، فمنهم من أعد أو يعد العدة لحياة موازية خارج الوطن عبر تدريس أبنائه بالخارج ووضع رصيد مالي وشقة ثانية وجنسية مزدوجة بإحدى الدول الأجنبية وبالتالي لا يهمه مستقبل البلاد، ومنهم من ينهض باكرا وعينه على حدوث قلاقل وأحداث تنغص العيش على الجميع بحجة ليس لديه ما يخسر، وضع يدفع إلى الحقد والاحتقان والنقمة بين جميع الفئات الاجتماعية، فلا الغني مرتاح ولا الكادح راضي، فلا المسؤول واع بهول ما يدور بوسط المستضعفين ولا الكادح يقدر ما يفعله بعض شرفاء هذا الوطن لإنقاذه من براثين اليأس والرقي بهذا البلد، فصرنا تائهين لا نحن مصنفين في منزلة الدول الفقيرة ولا في عداد الدول الغنية.

أملي أن ننتقل من درس الخطين المتوازيين إلى درس الخطين المتعامدين، حيث يمكنهما التلاقي في نقطة معينة تشكل مركزا لأربع زوايا قائمة، كلها بنفس القياس أي 90 درجة وترمز إلى منحى من مناحي الحياة الاجتماعية ، أهمها الأركان الأربعة الأساسية العدل والتعليم والصحة والشغل، حيث يصير لكل مغربي ومغربية موطأ قدم داخل الزوايا الأربع.

إلى أن يستفيق المتحكمون ويدركون أن خلق الخطوط المتعامدة والزوايا القائمة أحسن بكثير من توسيع الهوة بين الخطين المتوازيين، آمل أن نستفيد من دروس الرياضيات وأن نجتاز الامتحان وهدفنا حصول الجميع على المعدل ولو بنسب ذات تفاوت بسيط، بعدها سنغادر قسم الرياضيات ونبدأ بالواقع والملموس حصة التربية على المواطنة.

 

 


شاهد أيضا