داخل الحياة.. حياة أخرى! - بريس تطوان - أخبار تطوان

داخل الحياة.. حياة أخرى!

في الوقت الذي تركز فيه العديد من الدراسات على التداعيات الاقتصادية والسياسية للجائحة التي تجتاح العالم، اهتمّ عدد قليل من الباحثين بمناقشة الآثار النفسية لهذا الوباء، تلك التي تعد أكثر قدرة على إحداث تغييرات جذرية على الشخص.
ففي حديث مع بعض الأصدقاء عن التغيرات التي طرأت عليهم على المستوى الشخصي خلال الأزمة تفاجأت ببعض الإجابات، وأضحكتني أخرى ولم أتردد في تأكيد بعضها الآخر لأنها ربما طالتني أنا أيضا.

لكن الأجمل، وما لم أتوقع سماعه، هو أن كورونا علمت إيجابيا في نفسية الأشخاص! وتركت الأثر الطيب في النفوس.
فكل من حدثني عن نفسه، لمست سلاما داخليا، وصفاء، وهدوء يبادر لاقتناص التعابير وبعثرتها أمامي.
كورونا التي جثمت على الأرزاق وهددت الاقتصاد العالمي.. استطاعت أن تبعث السلام في النفوس..
كورونا التي زعزعت الدول وبعثرت الأوراق والخطط .. تمكنت من زرع بذور الحياة في القلوب…
كورونا التي أطلت على العالم من نافذة الأزمة، جعلت الأغلبية تجمع على أن المحنة كانت بمثابة منحة لهم، وأنهم وسط كركبة العالم اقتصاديا وسياسيا وصحيا.. استخلصوا الجمال.

فترة استثنائية تلك يعيشها العالم، فترة عصيبة جداً، لكنها استطاعت أن تجعل الإنسان يقف وقفة تأمل مع الذات.. أن يرتب أوراقه.. ويحدد مساره من جديد..
استطاعت أن تهدأ من روع الكائن البشري، الذي بات يحاكي الآلة في وتيرة عملها.. وتمكنت من أن تجعل منه كائنا هادئا.. يفكر كثيرا.. ويشعر أكثر.. ولا يتوقف عن الاهتمام بنفسه.. بذاته.. بأهله ..
فترة استثنائية، رتبت أولويات البشرية، ورجحت كفة الجماعة عن الفرد، وقلصت من الأنا المتضخمة التي كادت تلتهم الذات البشرية قبل الجائحة..
فترة استثنائية تلك التي جعلت الانسان يعي أهمية الصحة، ويدرك أن الحياة كانت تافهة قبل الأزمة المعاشة، وأن ما كان يركض من أجله ليل نهار بإمكانه أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى سراب.. وأن الالتفات إلى الجوهر الذي يسكنه.. أثمن وأغلى وأعظم من أي سعادة زائفة..
فترة استثنائية جدا .. وحدت هموم البشرية جمعاء وحصرت العالم كله في قطر واحد من الكرة الأرضية، متمكنة من خلق التوازن وإحداث العدالة وإرباك الجبروت الذي كاد يطغى ويسود.

في الحقيقة،
لا يمكننا التغاضي عن السلبيات، وعن وسواس النظافة والتعقيم، وعن جحافل الكآبة التي كانت ولا زالت تتربص بنا بين الفينة والأخرى، ولا عن الأطلال التي بكينا خلفها، والخطط التي تبخرت في رمشة عين..

ولا يمكننا تجاهل الأهداف والأحلام التي هاجرت إلى أجل غير مسمى…و جلستنا المتوجسة انتظارا للمجهول.. ولا مدة الحجر الذي تلاشت بداخلها شهورا من حياتنا…

إلا أن الجائحة أدخلتنا في عطلة نفسية طويلة وأبت إلا أن تستخرج منا ما سرقته الأيام بلهفتنا خلفها.

فكل ما يمر على الإنسان من ظروف من شأنها ترك بصمة في نفسيته وربما شخصيته أيضا، لأن دائما ما يكون بداخل الحياة التي نعيشها حياة أجمل لم نعشها بعد..!

 


شاهد أيضا