خصائص المطبخ التطواني (3) - بريس تطوان - أخبار تطوان

خصائص المطبخ التطواني (3)

تنظيف القمح من الزوائد (تنقية الزرع): من المعروف عن أثرياء تطوان – إن كان بها أثرياء – أنهم إما أن يكونوا في الغالب أهل فلاحة أو أهل تجارة، فالفلاحون يمتلكون الأراضي والبساتين والجنان، ويكلفون للقيام بأراضيهم وفلاحتهم ومواشيهم من يقوم بكل ذلك.

ومما لا شك فيه، أن هذه الأراضي والبساتين، تنتج الغلال من الفواكه والخضار والحبوب، التي تنقل كمياتها إلى المدينة، حيث تباع.

وغير خاف أن بيت الملاك لتلك الغلال، لا بد أن ينال حظه منها، فتأتيه كميات منها للاستغلال من طرف الأسرة.
ولعل من أبرز العمليات التي كانت تلاحظ في بيوت أعيان الفلاحين بتطوان، بعد غسل القمح وتحفيفه، ما كان يتم من تجمعات بين النساء اللاتي يجلسن متحلقات حول المائدة المستديرة (الطيفور)، وقد أطلقن إزارا كبيرا تحت الطيفور، على الأرض، بينما يضعن أطراف ذلك الإزار على حجرهن، ثم يشرعن في عملية “التنقية”، أي فرز حبوب (القمح) المغسول والمحفف في الشمس، بتنزيل الحبوب الجيدة النظيفة على الإزار الموضوع تحت الطيفور، بينما يقمن بإزالة كل ما هو دخيل طفيليات وحشرات وأحجار أو غيرها مما تنبغي إزالته، وخاصة الحبوب التي يطلقون عليها اسم “الخيار”، وهي حبوب يقولون إنها تخالط القمح، وأنها إذا تم تناولها، تتسبب في إحداث دوار وغثيان بالنسبة لمتناولها. ثم تجمع تلك الزوائد في أواني خارجية، حتى يرمى بها فيما بعد، بينما يتم جمع الزرع المنقى في براميل أو أكياس خاصة، حتى تحمل إلى الرحى في الوقت المعين لذلك.

عجن الخبز: معلوم أن النساء في البيوت التطوانية كلها هن اللواتي كن يقمن بعملية عجن الخبز الذي تحتاجه الأسرة للاستهلاك اليومي.

وهكذا فإن البيت إذا كانت فيه “عولة الزرع”، فإن ذلك “الزرع”، تؤخذ منه كمية معينة، لتطحن في إحدى الأرحية التي كانت موجودة في ضواحي المدينة، حتى يتم الاستفادة من دقيقه، أما إذا لم يحتو البيت على قمح، فيتم شراء الدقيق الذي سيتم عجنه.

وعن عادة طحن الحبوب في أرحية تطوان، يقول ذ. محمد داود في كتابه “الأمثال العامية في تطوان والبلاد العربية”: (والرحوي هو صاحب الرحى التي يطحن فيها القمح وغيره من الحبوب، وكانت العادة في تطوان، أن الناس يغسلون القمح في ديارهم، وينظفونه من الأحجار والطفيليات، فيأتي الرحوي بدوابه، ويحمل ذلك القمح إلى المحل المخصص لوزن الحبوب، حيث يزنه الشخص المكلف بذلك رسميا، ويقيد في بطاقة خاصة اسم صاحب الدقيق واسم الرحوي ووزن القمح وثمن طحنه، ثم يحمل الرحوي ذلك القمح إلى رحاه التي تدور بالماء الغزير المنحدر من جبال قبيلة بني حزمر، المجاورة لبساتين تطوان من جهة الجنوب، وبعد طحنه، يرده لصاحب الميزان من جديد، ويقيد في نفس البطاقة ما عسى أن يكون هناك من فرق في وزن القمح قبل طحنه وبعده، وفي الغالب لا يكون هناك فرق في الميزان، فلذلك يقال فيه: “كيف مشى كيف جا”، أي لم يزد فيه ولم ينقص منه. ويشبه بذلك الشخص الذي لم يستفد شيئا، لا ماديا ولا أدبيا كما في هذا المثل).

وهكذا فإن الخبز الذي يعجن في البيت، يكون هو المادة الغذائية الأساسية التي لا غنى عنها في المائدة غالبا. ولذا كانت المرأة التطوانية حريصة على أن تتم عملية إعداده بطريقة نظيفة متقنة، تسهر فيها على غربلة الدقيق وعجنه جيدا بالخميرة “البلدية” و”الزرارع” أي حبوب السمسم وحبة حلاوة وماء الزهر …، حتى يكون مذاقه لذيذا، فيمتع أهل الدار الذين يأكلونه.

وكما تحرص السيدة على إعداد كمية من الخبزات الكبيرة التي تطبعها من الوسط بـ “المرشم”، العلامة التي تمكن “معلم الفرن” من تمييز خبز كل دار على حدة – فإنها تحرص أيضا على – وهو إعداد ما يعرف بـ “البويوات”، أي الخبيزات الصغيرة، التي تعطى إحداها “للطراح” – وهو الصبي الذي يحمل الخبز على “الوصلات” من الدور إلى الأفران العمومية – كما تصلح هذه “البويوات” أيضا لإدخال الفرحة على قلوب الأطفال – أطفال الأسرة – الذين يعتبرونها التفاتة طيبة وعنايس من طرف من يقدمها لهم، وخاصة إذا أعدت بجعل بيضة في وسطها، تسلق وتنضج مع الخبز حير وضعها بالفرن.

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ. حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا