ليست كل الكوارث سواء، وليست كل عمليات إعادة الإعمار قابلة للاختزال في تعويضات مالية أو رزم إسمنت وحديد. ما تعرفه بعض مناطق إقليم شفشاون اليوم يتجاوز منطق “إصلاح ما أفسدته المياه” إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا نفعل حين لا ينهار البيت فقط، بل تنهار الأرض التي كان يقوم عليها؟
في السهول الفيضية، كما في مناطق اللوكوس والغرب، يعود الناس إلى بيوتهم حال انحسار المياه. تُنظَّف الجدران، تُرمَّم الأبواب، وتستأنف الحياة إيقاعها المعتاد. هناك، الخطر مائي عابر، مهما كانت كلفته. أما في جبال الريف، فالمشهد مختلف: انزلاقات أرضية، تربة فقدت تماسكها، منحدرات لم تعد آمنة، ومداشر تحولت إلى أثر بعد عين. هنا، لا يتعلق الأمر ببيت غمرته المياه، بل بأرض زحزحت موقعها في الخريطة.
إعادة البناء في هذا السياق ليست قرارًا إداريًا بسيطًا. إنها معضلة طوبوغرافية في المقام الأول. فالانحدارات الحادة تجعل الاستقرار العمراني هشًّا بطبيعته، والتربة المشبعة بالمياه قد تحتاج سنوات لاستعادة توازنها، إن استعادته أصلًا. ثم إن المساحات المستوية القابلة لاحتضان تجمعات سكنية جديدة نادرة ومجزأة، والبنية العقارية قائمة على ملكيات صغيرة متداخلة، ما يعقّد أي مشروع لإعادة التوطين الجماعي.
لكن الإكراهات لا تقف عند حدود الجغرافيا. فالمداشر الجبلية ليست مجرد وحدات سكنية، بل أنماط عيش. البيت مرتبط بالحقل، بالحظيرة، بمسار الرعي، وبشبكة قرابة متجذرة في المكان. نقل الأسر إلى مواقع جديدة، ولو كانت آمنة تقنيًا، قد يعني عمليًا اقتلاعها من منظومة اقتصادية واجتماعية كاملة. هنا يتحول القرار العمراني إلى قرار اجتماعي وثقافي، يطال هوية المكان قبل خرائطه.
لذلك، فإن إعادة توطين المتضررين لا يمكن أن تُدار بمنطق الاستعجال وحده، رغم قسوته الإنسانية. المطلوب أولًا دراسات جيولوجية وجيوتقنية دقيقة تحدد بدقة المناطق الآمنة، وتُحيّن خرائط المخاطر على ضوء التحولات المناخية.
والمطلوب ثانيًا تصور عمراني يراعي خصوصية البناء الجبلي، بدل استنساخ نماذج إسكان لا تنسجم مع طبيعة المجال ولا مع نمط عيش ساكنته. والأهم من ذلك، إشراك السكان أنفسهم في اختيار البدائل، لأن التوطين القسري—حتى لو كان حسن النية—قد يخلق أزمات صامتة على المدى البعيد.
إن ما يحدث اليوم يضعنا أمام اختبار حقيقي لسياسات التعمير وإعداد التراب. فالجبل ليس حيادياً، ولا يقبل أن يُعامل كأرض منبسطة قابلة لكل شيء. وإذا كان من درس ينبغي استخلاصه، فهو أن تدبير ما بعد الكارثة يجب أن ينتقل من منطق جبر الضرر إلى منطق استباق المخاطر. إعادة الإعمار ليست مجرد إعادة لما كان، بل فرصة لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالمجال، وفي حدود ما يمكن فرضه على الطبيعة.
حين تتحرك الأرض، لا يكفي أن نعيد تشييد الجدران. علينا أولًا أن نعيد رسم السؤال: أين نبني؟ وكيف؟ ولمَن؟ لأن أي إجابة متسرعة قد تكون مجرد تأجيل لمأساة أخرى، في جبل لا ينسى ولا يتسامح مع أخطاء التخطيط.
