حيتان الأوركا تغيّر مساراتها.. من مضيق جبل طارق نحو السواحل الشمالية لإسبانيا

بريس تطوان

لسنوات طويلة، كان الحديث عن حيتان الأوركا في إسبانيا مرتبطا بشكل أساسي بمضيق جبل طارق، حيث كانت تظهر بشكل منتظم قرب أسراب التونة الحمراء، كما أثارت اهتماما واسعا بسبب تفاعلاتها غير المعتادة مع بعض القوارب الشراعية، وهي الظاهرة التي جعلتها حاضرة في وسائل الإعلام العالمية.

غير أن هذه الصورة بدأت تتغير في السنوات الأخيرة، إذ ما تزال الأوركا الإيبيرية موجودة في المياه القريبة من سبتة ومضيق جبل طارق، لكنها باتت تتحرك بشكل متزايد نحو مناطق شمالية، خصوصا السواحل الأطلسية وشمال شبه الجزيرة الإيبيرية.

وتشير المعطيات العلمية الحديثة إلى تراجع ملحوظ في عدد التفاعلات بين حيتان الأوركا والقوارب في خليج قادس ومضيق جبل طارق، مقابل ارتفاع عدد المشاهدات في غاليسيا وبحر كانتابريا وخليج بيسكاي.

ويربط الباحثون هذا التحول بتغير توزيع مصدر غذائها الرئيسي، أي التونة الحمراء، التي تأثرت بدورها بارتفاع درجات حرارة المياه البحرية والتحولات التي تعرفها الأنظمة البيئية في المحيطات. فحين تتغير مسارات الفرائس، تتغير معها تحركات الحيوانات التي تعتمد عليها للبقاء.

ولهذا أعدت السلطات الإسبانية خرائط جديدة لمناطق الخطر، تشمل هذه المرة السواحل الشمالية، مع توصيات بضرورة اتخاذ مزيد من الاحتياطات من طرف مستخدمي القوارب.

وتعد الأوركا الإيبيرية من أكثر مجموعات هذا النوع ندرة في العالم، إذ يقدر عدد أفرادها بما بين 40 و60 حوتاً فقط، وهي مصنفة ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بشكل حرج.

وقد ارتبط وجودها في مضيق جبل طارق لعقود طويلة بهجرة التونة الحمراء، حيث كانت تصل خلال فصلي الربيع والصيف إلى المناطق البحرية بين طريفة ورأس سبارتيل وخليج قادس بحثا عن الغذاء.

لكن الطبيعة البحرية ليست ثابتة، فالتغيرات التي تصيب المحيطات تنعكس على سلوك الكائنات التي تعيش فيها، والأوركا بدورها تتابع مصادر غذائها وتتكيف مع التحولات الجديدة.

ومن بين الأسماء التي ارتبطت بظاهرة تفاعل الأوركا مع القوارب، يبرز اسم “غلاديس بلانكا”، وهي إحدى الحيتان التي يعتقد بعض الباحثين أنها قد تكون وراء بداية سلوكيات دفعت بعض أفراد المجموعة إلى الاقتراب من القوارب والتركيز على الدفات.

ورغم كثرة التساؤلات حول هذا السلوك، يرى العلماء أنه لا ينبغي تفسيره بالضرورة من منظور بشري، فقد يكون مجرد سلوك استكشافي أو طريقة للتعلم أو اللعب، دون وجود أي نية عدائية تجاه الإنسان.

ورغم انخفاض عدد التفاعلات المسجلة، تؤكد السلطات البحرية أن الأوركا لا تزال موجودة في المياه الإسبانية، داعية البحارة إلى الالتزام بإجراءات السلامة عند حدوث أي مواجهة.

كما تشدد الجهات المختصة على أهمية الإبلاغ عن المشاهدات والتفاعلات، لأن هذه البيانات تساعد الباحثين على متابعة تحركات هذه المجموعة النادرة وفهم سلوكها بشكل أفضل.

وتبقى صورة حيتان الأوركا وهي تقترب من القوارب قبالة مضيق جبل طارق جزءاً من الذاكرة البحرية الحديثة، لكن مسار هذه الكائنات يواصل التغير مع تغير المحيط نفسه.

فالأوركا تتحرك بحثا عن الغذاء وتتكيف مع بيئة بحرية متحولة، بينما يواصل الإنسان اكتشاف أسرار هذه الكائنات الذكية التي لا يزال الكثير من سلوكها مجهولاً.

وعند مواجهة حوت أوركا في البحر، تنصح السلطات البحرية بالحفاظ على الهدوء، وتجنب إيقاف القارب بشكل مفاجئ، والابتعاد عن جوانبه لتفادي السقوط، وعدم استخدام أي وسائل قد تسبب ضرراً للحيوان.

كما يوصى بإيقاف القيادة الآلية، وترك القارب ينجرف عند بدء التفاعل، وإنزال الأشرعة إن أمكن، مع إبلاغ مصالح الإنقاذ البحري عبر القنوات المخصصة، خاصة القناة 16 البحرية.

وتظل مساهمة البحارة في تسجيل المشاهدات، من خلال الصور والمعلومات المتوفرة، عاملاً أساسياً في برامج التعرف على أفراد مجموعة الأوركا الإيبيرية وحمايتها من خطر الانقراض.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.