حكم آل الريفي وعصر تطوان الذهبي - بريس تطوان - أخبار تطوان

حكم آل الريفي وعصر تطوان الذهبي

بريس تطوان

الحياة السياسية:

يشكل انهزام آل النقسيس الأخيرين في صراعهم مع المولى إسماعيل سنة 1687، وتعيين السلطان للحكام على مدينة عاشت مستقلة وثائرة لأمد طويل، منعطفا وليس تحولا في تاريخ تطوان. ولقد أولت علاقات المدينة الدولة مع السلطة المركزية، وهي علاقات معقدة وملتبسة، تأويلات متناقضة، ومما لا شك فيه أن هذه العلاقات تطرح إشكالا كيرا على مر القرون، وأنها كانت تتوقف بطبيعة الحال على قوة السلطة الحاكمة للبلاد، وهكذا فضعف سلاطين المرينيين الأواخر يفسر تأسيس الشاون وإعادة بناء تطوان، إلا أن هذا التأسيس والبناء كانا قد تما بمباركة السلطة المركزية من جهة، ومعارضة القبائل المجاورة من جهة ثانية. وتذكر بعض الروايات الاتصال الذي قد يكون الأندلسيون المؤسسون أجروه مع السلطان. فهؤلاء كانوا يبحثون عن إضفاء الشرعية على مقامهم أكثر من بحثهم عن مساعدة مادية ما لعملية التأسيس، وهو تصرف متوافق تماما والعقلية الحضرية الأندلسية. وفي الأندلس، كان المنظري ومحاربوه قد تعودوا العمل في إطار نظام عسكري رسمي تحت إمرة ملك غرناطة، وبالتالي فمسألة البيعة لم تكن غريبة بالنسبة إليهم، غير أن الواقع السياسي في المغرب خلال القرن السادس عشر وجزء من السابع عشر كان يحتم عليهم استقلالا ذاتيا ضروريا للبقاء في بيئة محلية عدائية، وبالنسبة لهؤلاء الأندلسيين، كانت القبائل تمثل معارضة غير شرعية وتهديدا خطيرا يضاهي الخطر المسيحي أو يكاد، ولفد تعاؤضت في هذا الصراع عقليتان، العقلية القبلية المغربية التي لم تكن خاضعة تماما لسلطة مركزية ضعيفة، والعقلية المجاهدة والعسكرية لزمرة من المهاجرين الأندلسيين المصممين على الدفاع عن دينهم وعن حضارتهم.

فهل كانت تطوان مستقلا فعلا؟ لا، ولكن نزعتها كانت نزعة إلى الحكم الذاتي، وجنوحها كان جنوحا إلى تأسيس نظام سياسي يقوم على سيادة جهوية، ولا تربطه بالسلطة المركزية إلا بيعة هشة لم تترك لها ظروف البلاد السياسية من البيعة الحقة إلا الاسم، وكانت صراعات السعديين الداخلية بعد وفاة المنصور الذهبي سنة 1603، والفراغ السياسي والقانوني في البلاد قد شجع تأسيس النظام السياسي المذكور في المدينة، ولقد حاول مولاي إسماعيل بحزمه المعروف كبح جماح هذا النظام، لكنه لم يتمكن من معاكسته إلا قليلا، وهكذا فبالرغم من أن حكام المدينة كانوا يعينون من لدن السلطان، فإنهم كانوا يحتفظون بسلطة واسعة، وتمكنوا بفعل شبه توارث مناصبهم من الحفاظ على الطابع السلالي لحكمهم.

ومع آل الريفي وصل نظام الحكم هذا أوجه، وهو يقوم على سلطة مورست بالتفويض، لكنها في الواقع كانت مستقلة؛ وعلى روابط ربطته بالسلطة المركزية – لكن دون أن تمنع الأسرة الحاكمة نفسها من ربط علاقات مباشرة مع الخارج – وعلى الارتياب من القبائل المجاورة واستعمالها في نفس الوقت في الجهاد، وعلى دور القوة الاقتصادية والمهارة في استعمال مختلف الشبكات التجارية، ولقد فرض تركيز السلطات السياسية والاقتصادية والعسكرية نفسه في الحواضر والبوادي المجاورة، وتذمر الناس لذلك، ويتجلى تركيز السلطات المذكور فيما خلفه آل الريفي نت عظيم البناء وتميز الطراز المعماري.

وكان مؤسس هذه الأسرة الحاكمة عبد الله الريفي في بداية أمره قائدا للقوات المجاهدة البربرية التي كانت تساعد الجيش على استرجاع وفتح المدن المحصنة التي احتلها المسيحيون. وتفسر مصير هذه  العائلة الفريد مجموعة من المعطيات الجيوسياسية، اولها المعطى الاستراتيجي فيحكم وظائفها المرفئية وموقعها، كانت تطوان القاعدة العسكرية الرئيسية، وقاعدة تموين الجيوش المغربية في عملية استرجاعها للمدن التي احتلها الأوربيون. ولقد عرفت هذه الفترة اجتهاد مولاي إسماعيل في الجهاد، وهكذا انتزعت المعمورة سنة 1681، واستعيدت طنجة سنة 1684. واسترجعت العرائش سنة 1989، وحوصرت سبتة خلال ماينيف عن ثلاثين سنة، من 1694 إلى 1727، وكان المجهود الحربي يتطلب السلاح والذخيرة والبارود، وأخذت تطوان على عاتقها مسألة البحث عن هذه المواد وإيصالها إلى ساحات القتال. وكانت الموانئ المسترجعة قد أخربت وفقدت بورجوازيتها التجارية، وفي معزل عن أعراف البيع والشراء المترسخة في تطوان؛ الشيء الذي لم يمكن هذه المرافئ التي برزت من جديد على الساحة التجارية لشمال المغرب من أن تصبح منافسة لتطوان.

ولقد ترسخت وظائف تطوان المرفئية مع تباينها. فتطوان كانت مرفأ للجهاد البحري، وللتوقف والالتجاء، وللتجارة القريبة والبعيدة المدى، والميناء المفضل لمرور البعثات الديبلوماسية وبعثات الافتداء الأوربية ومواكب الأسرى المفتدين بل وحتى الحجيج الذين كان أصحاب القوافل البحرية الأوربية يأتون لنقلهم إلى المشرق؛ وهي عمليات مربحة ازدهرت في هذه التربة “الأندلسية” الخصبة، وعلاوة على بنيتها الخاصة كميناء شمال المغرب الوحيد وكقاعدة للعمليات وللجهاد البحري وللحملات العسكرية، كانت لتطوان وظيفتان أساسيتان، فهي عاصمة جهوية، وهذا أمر لا نزاع فيه، وهي كذلك منهل للثقافة ومركز للإشعاع الديني.

وكل هذه المعطيات – في جو مشحون بالعداء بين الأندلسيين والريفيين، بين الحضر والبدو – بكنها أن تؤدي، كما حدث ذلك في منتصف القرن السابع عشر، ومة جديد في الثلاثينيات من القرن الثامن عشر، إلى الغيظ والمواجهات التي بدأت خلالها دعائم المجموعة الحضرية تتقوض. إلا أن السلطة الصارمة والمغرضة التي مارسها الحكام الكبار بدهاء وذكاء، مكنت من التئام الفريقين.

ولما مات القائد عمر بن حدو الريفي التمسماني من جراء وباء الطاعون في نوفمبر 1681، وكان مولاي إسماعيل قد “ولاه عاملا على مدن أزيلا وتطوان والقصر الكبير الساحلية” وزاده ولاية المعمورة بعد استرجاعها في 30 أبريل 1681، خلفه القائد أبو الحسن علي بن عبد الله الحمامي التمسماني الريفي ابتداء من 1681 – 1982 منائب السلطان على الغرب، ويتعلق الأمر في الواقع بشمال منطقة الغرب (غرب القصر) التي تمتد من سبو إلى غرب الريف. وكان هذا الاخير قد حكم تطوان حيث رآه مويط (Mouette) في شهر مارس 1981 وقد اشتهر “بورعه ونزاهته ونبله”. ولقد عاش طورا في المدينة وطورا في كنجة بعد 1684، تاركا خليفته في تطوان في شخص الحاج محمد تميم التطواني أولا، ثم لوقش فيما بعد. وأصبح علي بن عبد الله الريفي بفضل منصبه وسلطاته التي مارسها شخصيا أو بالنيابة ليس نائب السلطان الفعلي على شمال غرب المفرب فحسب، بل ووسطيا ذا نفوذ عظيم في عدة عمليات تجارية تتعلق بالعلاقات مع المسيحيين ومع البلاد الأوربية.

ولقد أسندت لعلي بن عبد الله الريفي ابتداء من 1694 وحتى مماته، مهمة قيادة قوات المجهادين التي كانت تحاصر مدينة سبتة، ” الاسبانية” المحصنة، وليبين ثبات عزمه في هذا الحصار، قام القائد المطكور ببناء دار ومسجد غير بعيد عن الحصن الاسباني، وكان الجهاد الذي مورس بطريقة مشتبه فيها، قد حعل علي بن عبد الله الريفي يحظى بالمجد المقدس الذي لا يحظى به إلا المقاتل في سبيل الدين وكان شرف المنصب ورفعة المقام قد مكنا صاحبهما من جني منافع كثيرة، امتسبها من الضرائب ومن مساهمته في الجهاد البحري كما في التجارة التي كان يضع لها بنفسه ولصالحه الحد بين المشروع وغير المشروع، وهكذا نجده في 1708 يجبي ضرائب تجارة الشمع والجلود في تطوان؛ وكان له يهود يكاتبون مراسليهم في لقرنة وأمستردام ولندن، كما كان له يهودي في جبل طارق يدعى أبراهام بنيدر (Abraham Banider) الذي كان يتاجر لحساب الريفي منذ 1705، ويعتبر هذا القائد من أوائل المغاربة الذين اتجروا مع المستعمرة الإنجليزية عن طريق وسيط يهودي. ولم يكن حاكم تطوان هذا يتردد في مصادرة السفن الوربية لبيع بضائعه في مدينة قادس الإسبانية، أو الاطلاع فيها على أخبار الأسواق، وكان يريد من القناصل المسيحيين خدمته كما يخدمون أوطانهم، ويطالب الفادين بربح عارض علاوة على هباتهم المعهودة.

وعلى الرغم مما ظكر فقد لازم بن عبد الله الريفي التقريظ، وكصدى لما ذكره مويط (Mouette)، أشاد مولاي إسماعيل ثلاثين سنة بعد ذلك، في يوليوز 1711 بالقائد المذكور لأن امور البحر من حيث هي ما لأحد عندنا فيها كلام لا من خدمتنا ولا من أعيان مملكتنا ولا نظر ولا تصرف إلا لأخينا في الله القايد علي بن عبد الله صاحب محميتي طنجة وتطاون وما انضم إليهما من الأقطار المسبطية كلها ثقة بعقله ودينه وصيانته ومروته وعلما بأنه ممن لاتأخذه في حق الله لومة لائم وأنبناه عنا في كل ما يبرمه معكم ويمضيه لا في أمر المفادات ولا في غيرها من كل ما تريدونه عندنا وترومون إنجازه منا كوننا عرفنا دينه ومذهبه وجده وحزمه وصدقه وصونه.

ولقد توفي أبو الحسن علي بن عبد الله الريفي في 29 غشت 1713 وهو في عز أيام حكمه ومغمور بفضل سلطانه وثروان، وخلفه ابنه الأكبر أية صعوبة تذكر، وارثا مقامه وأمواله، وسيطر الباشا أبو العباس أحمد بن علي الريفي كأبيه على مسرح أحداث المنطقة من 1713 إلى 1727، وإلى غاية الفتن التي أعقبت موت المولى إسماعيل، طبق الريفي الابن نفس السياسة بنفس الوسائل.

وهكذا فخلال نصف قرن تقريبا، حكم الرجلان المنطقة كما حكما المدينة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وتحكما في معظم العلاقات مع أوربا، ونميا ثروة هائلة ودبراها، وأدت سلطتهما الواسعة والتعسفية إلى ظهور المعارضة، فلقد أخذ الأعيان الأندلسيون الذين كانوا يشكلون النخبة المثقفة ونخبة رجال الأعمال في المدينة، أحمد الريفي على ضرائبه غير العادلة، وعلى تشييده القصور الفخمة من غير أن يؤدي ثمن مواد البناء ولا أجور اليد العاملة.

وخلال الفتنة والصراع من أجل السلطة الذي تحارب فيه أولاد المولى إسماعيل بعد موته في سنة 1727، ثارت على الحاكم عائلة من العائلات الأندلسية، وكان على رأسها وقتئذ الحاج ابو حفص عمر لوقش، وفي هذا التشابك الذي عرفته الأحداث، وتأييد الفرقاء تارة ونقلاب مواقفهم تارة أخرى، يصعب حصر أدوار مختلف الفاعلين في هذا الصراع وكيف تم اتخاذ مواقفهم المتعاقبة، فلقد تداخلت آثار الصراعات إلى جانب أو ضد السلطة المركزية، وطموحات أعيان الحضر، وغايات قبائل أنجره الجبلية، وأما أحمد الريفي وأخوه فقد انهزما في معركة أخيرة تدعى معركة “عيطة السبت” الشهيرة.

وكان الحاج عمر لوقش أندلسي الأرومة، وهو ينتسب إلى الخلفاء الأمويين. وكان الرجل واسع الثروة، سبق له وأن شغل منصب كاتب مولاي إسماعيل، ثم اضطلع بعد ذلك بمسؤوليته على رأس الديوانة وكخليفة للقائد الريفي، وتصفه المصادر العربية كعالم وأديب، أما المصادر الأوربية فتذكر إحاطته بالمعارف ذات الطابع العلمي وإجادته للإسبانية. وهذا ليس بغريب، فالمسلمون الأندلسيون ظلوا يتحدثون باللغة الاسبانية كما كان اليهود يتحدثون بقشتالية مهجورة بعض الشيء أنذاك، وما زالوا يستعملونها إلى غاية القرن العشرين.

وفي سنة 1734، عاد أحمد الريفي على رأس جيش يتكون من ثمانية آلاف رجل، وأدرك ثأره بإرساله لوقش إلى منفاه بتارودانت. وأعاد الباشا أحمد الريفي بناء قصره بتطوان، واستمر في بسط نفوذه شمال المغرب بحيث شملت منطقة نفوذه طنجة والعرائش والشاون ووزان والقصر الكبير، وأصبح الريفي سيد شمال غرب المغرب بأسره الذي استقل استقلالا فعليا، بل إنه فكر في الاستيلاء على فاس، لكنه قتل في معركة ضد السلطان مولاي عبد الله سنة 1743.

وهكذا فرضت عائلة الريفي سلطتها على المدينة وكل المنطقة التي خضعت لها وطبعتها بطابعها زهاء ثلاثة أرباع قرن، إلا أن نهاية الاستقلال الذاتي/ الاستقلال الذي تمتعت به المدينة كانت قريبة، فلقد عين الحاج محمد تميم حاكما على المدينة سنة 1743، وقتله بعض السكان في 1750، وفي أيام محمد بن عمر لوقش، فرضت العائلات الأندلسية سيطرتها من جديد؛ لكن لما تولى سيدي محمد بن عبد الله زمام الحكم في البلاد سنة 1757، أجبر محمد لوقش على الفرار واللجوء إلى جبال مولاي عبد السلام بن مشيش حيث وافته المنية.

وخضعت المدينة من جديد لسيطرة السلطة المركزية خضوعا خفف من وطأته بعد المدينة عن مركز الحكم، وروحها المتمردة، ووزن أعيانها، ولم تعد تطوان قادرة على التخلص من هذه السيطرة لمدة طويلة، وهي سيطرة استثقلها السكان قليلا أو كثيرا، وقبلوا الخضوع لها بحسب الفترات.

العنوان: تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية

المؤلفين: جون لوي مييج/امحمد بن عبود/نادية الرزيني

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا