حكاية "الليالي" الباردة تحت نغمات المطر بتطوان.. في الزمن الجميل - بريس تطوان - أخبار تطوان

حكاية “الليالي” الباردة تحت نغمات المطر بتطوان.. في الزمن الجميل

بريس تطوان

عود على  بدء

” سعد السعود  فيه كتخرج الحية والقنفود” هذا ما كنا نسمعه من جداتنا وأجدادنا في الزمن الجميل بمدينة تطوان العامرة.

و”سعد السعود”  تعني مرحلة نهاية “الليالي” التي ترمز  إلى أربعين ليلة من زمهرير فصل الشتاء القارس، والتي تبتدئ في أواخر شهر دجنبر وتنتهي مع بداية شهر فبراير، وهي فترة تتميز بليال طوال، وشديدة البرودة.

وكانت تتردد على مسامعنا أيضا، مصطلحات “الصمايم “و”العنصرة” و”المنزلة” و”النسخة د مولاي عبد السلام”، وكلها تسميات لموروث شفوي لامادي، كان أجدادنا يحددون من خلاله فصول السنة، ويميزون بين  الفصل البارد والحار والمعتدل.

حقيقة أنه في تلك الفترة الجميلة، وقبل ظهور الجفاف، والتلوث، والسكن الاقتصادي، والعشوائي، والإنفجار الديموغرافي، كانت ساكنة تطوان والناحية تعيش قريبة جدا من الطبيعة، لذا فمن الطبيعي أن تجد في اللغة المتداولة مصطلحات فلاحية من قبيل “النحلة” و”احمييار  د  جدو” و “الماورد ” و “حميطة “، و “بوخانو ” و”القسطال”.

كما كانت هناك مصطلحات أخرى تصف ظواهر مناخية، مثل تسمية “حزام لالة فاطمة الزهراء” الذي يظهر في السماء، أثناء هطول الشتاء مع شروق أشعة الشمس، وكانوا يقصدون به حينذاك  “قوس قزح”.

إن الدليل على قرب الطبيعة بطيرها وأغراسها ووحشيها من ساكنة تطوان، أنه مباشرة وراء حومة “الباريو” كانت تبدأ الهضاب والتلال الخضراء المطلة على أخدود كبير، حيث يوجد حاليا حي خندق “الزربوح “ّ، ومباشرة بعد حارة “سانية الرمل” تطالعك الجنان والبساتين الغناء، كان أولها جنان” زيوزيو”، في حين كانت حومة “الطوابل” و”عقبة الحلوف” و”التوتة القديمة” و”عين ملول” و”الحفرة د اليهودي” المنقرضة، كلها تفيض بالجداول والخضرة وتكثر بها، نبتة “الخروع” التي تصلح لجمال الشعر و”حميطة” و”البقول “وأسراب من الطيور والحجل والسمان والأرنب البري .

وهكذا وبحكم قربهم من الطبيعة، كان أهل مدينة الحمامة البيضاء يعيشون جميع فصول السنة كاملة، حيث كانوا يعرفون بالفطرة أن هناك علامات مميزة لفصل الخريف وفصل الشتاء وفصل الربيع وفصل الصيف، لذا من الطبيعي أن يتـأثروا بالتقويم الفلاحي وشهور الفلاحة ويطلقوا اسم “الليالي” على ليالي الشتاء الباردة.

 “الليالي” على الأبواب

قبل حلول” الليالي” كان يأتي أولا فصل الخريف، الذي يتميز بتساقط الأوراق من الأشجار المورقة، التي كانت مزروعة  بكثافة بمختلف أحياء وشوارع المدينة، وبصفة خاصة أشجار “التوت” و”الأوكاليبتوس” وغيرها من الأشجار المتوسطية الوارفة الظلال التي اجتثت واستبدلت بنخيل الصحاري لحاجات في نفس يعقوب.

وكان فصل الخريف يتميز بظهور بعض الفواكه الموسمية مثل “الرمان” و”الكستناء” و”السفرجل” البلدي، والإجاص، وتفاح جبالة الصغير الحجم، ذو اللون الأحمر، وكانت تهب في هذا الفصل أحيانا رياح شبه باردة ، وكأنها  تنذر ساكنة تطوان والناحية  بقرب دنو فصل الشتاء.

 

في الزمن الجميل”  لم تكن سماء الحمامة البيضاء شحيحة، فالمطر يبدأ بالهطول ابتداء من أواخر شهر شتنبر ولو بشكل متفرق حيث كانت أمطار الخريف الأولى  تعتبر إيذانا بحلول فصل الشتاء ولياليه الباردة.

و “الليالي” هي تسمية جذورها قادمة من العالم القروي، حيث يسترشد بها الفلاحون من أجل زراعة حقولهم بالمزروعات التي تتواءم مع طقس هذا الفصل مثل “الجلبانة” و”الفول” والذي كان منه يصنع حساء “البيصارة” الأكلة الشهيرة التي تعتبر أهم سلاح لمواجهة شتاء شديد البرودة، ليس بتطوان فحسب بل بكل مناطق جبال شمال المغرب خاصة والمغرب عامة.

عموما إن “الليالي”هي ظاهرة مناخية كانت تتميز بنزول المطر بغزارة دون انقطاع، ودوي أصوات الرعد المصحوب بالبرق، وتساقط  قطرات الندى خلال الصباح على العشب وأوراق الشجر، وخروج البخار من الفم أثناء التحدث،  وظهور “قوس قزح” باستمرار في كبد السماء، وسقوط البرد “التبروري” في بعض الأحيان، وكان الأطفال الصغار ينبهرون جدا بكل هاته الظواهر المناخية العجيبة.

العائلة والليالي الدافئة

الجميل في “الليالي” أنه رغم قساوتها إلا أنها كانت تعطي التفاؤل والأمل وتجعل المزاج العام  يشعر بسعادة غامرة، فالجميع يعلم أنه بفضل هاته الأمطار فإن البطاطس والجزر والجلبانة والفول الأخضر و

اللوبية البيضاء كلها تنمو وتزداد حلاوة، بحقول كيتان وبني معدان و”وادي لو”  وسهل مرتيل ومرتفعات  الملاليين وبوعنان.

إن “الليالي” رغم برودتها وزمهرير رياحها، إلا أنها  كانت تجعل  الحضن العائلي أكثر دفئا ومنبعا للطمأنينة والرأفة والحنان، والإحساس بالأمان، فكان أفراد العائلة بما فيهم  الجدة والجد والخالات والعمات والأعمام والأخوال والجيران وذوي القربى، أكثر تلاحما مع بعضهم البعض في السراء والضراء.

وكانت مشاهد تحلقهم في وسط الدار على “غلاية” كبيرة  فوق “مجمر” تتطاير منه ألسنة اللهب، وهم  يعدون كؤوس الشاي الممزوج  باللويزة البلدية والزهر حيث تكون أشجار” النارنج” تزهر وفي  ذروة عطائها، من المشاهد التي تؤكد على دفئ العلاقات وصدقها “في الزمن الجميل”.

في زمن “الليالي” رغم العواصف والأمطار كان الأب والأم والجد والجدة والجيران تجدهم  منشرحي الصدر، بالهم هادئ، لأنهم يعلمون أن الموسم الفلاحي سيكون مثمرا وسيعم الخير على الجميع، وكانت هذه الطاقة الإيجابية لدى الكبار تنعكس على الأطفال الصغار الذين كانوا بدورهم يقفزون من الفرح وهم ينشدون ويصدحون بأعلى أصواتهم تحت المطر، مرددين بكل  حيوية وسعادة أنشودة” الغيث”  

الصغار والمطر

غيثك غثيك يالله// والشتا إن شاء الله

السبولة عطشانة // يسقيها مولانا

غيثك غيثك ياربي // والشتا د الغربي

هذه باب الزاوية // غدا تصبح راوية

غيثك غيثك يالله // والشتا إن شاء االله

في الزمن الجميل كان الأطفال الصغار يفرحون جدا بقدوم المطر حيث تسمعهم بين الفينة والأخرى يرددون هذه الأغنية الرائعة  تحت زخات المطر والنسيم العليل الذي ينبعث من تربة الأرض، في الدروب والأزقة وفوق أسطح المنازل وأمام أبواب المساجد والزوايا وفي الساحات، إلى  حين حلول فصل الربيع حيث تلبس الطبيعة حلة قشيبة خضراء، مرصعة بأجمل الورود و الزهور، وتخرج الفراشة والنحلة للحقول الزاهية، وتبدأ رحلة أخرى للحياة، رحلة ملؤها الحب والتفاؤل بغد أفضل، وبقدوم الخير والبركات، وهكذا كانت حكاية تطوان مع  “الليالي” في الزمن الجميل.

 


شاهد أيضا