حكاية أنشودة تنويم الأطفال بتطوان في الزمن الجميل - بريس تطوان - أخبار تطوان

حكاية أنشودة تنويم الأطفال بتطوان في الزمن الجميل

بريس تطوان

عود على بدء

في الماضي غير البعيد كانت الجدات والأمهات حين يحل وقت نوم الرضع والأطفال، يقمن بوضعهم إما في المهد أو الفراش أو يحملنهم على ظهورهن ويشرعن في مناجاتهم بترنيمات سجية تفيض بالحب والحنان، ترنيمات تعطي للرضيع طاقة ايجابية، وتمنحه شعورا بالأمان فيطمئن قلبه الصغير ويخلد سريعا إلى نوم هادئ.

أكيد ليس اعتباطا أننا قدمنا الجدات قبل الأمهات، لأن مهمة تنويم الأطفال في الزمن الجميل لم تكن مقصورة على الأمهات فحسب، بل إن الجدات الحنونات كن بدورهن يضطلعن بهذه المهمة النبيلة، حيث كن أشد حرصا على رعاية وتربية الأطفال بكل مسؤولية ونكران للذات.

والسبب في ذلك يرجع إلى كون الأسرة في الزمن الجميل  كانت “ممتدة”، بمعنى أنها لم تكن تتكون فقط من الزوج والزوجة كما هو الحال اليوم، بل كانت تضم الجدة والجد والصهر وأحيانا الخالة والعمة، كلهم  كانوا يعيشون تحت سقف واحد قبل أن تتعقد الحياة، وتتعقد معها مشاكل البشر.

لكن مع ظهور العمارات وشقق تشبه علب السردين وبعد أن تحولت الحياة كلها إلى مادة، انشطرت  العائلة “الممتدة” وتحولت إلى عائلة نووية ميكروسكوبية، تتكون من الأب والأم فقط، وهذا الأمر أدى إلى انقراض الحكايات والترنيمات العجيبة لنوم الأطفال.

إضافة إلى ذلك، أدى  ظهور منتجات مادية حديثة، مثل  الهاتف النقال والفضائيات وبرامج الرسوم المتحركة التي لا تنتهي ،حيث أصبحت الرقمنة وألواح الكمبيوتر هي التي تقوم بمهمة تنويم الأطفال ،وهكذا انتشرت برامج أغاني طيور الجنة، والرقية الشرعية وأصبحت التلفزة  واللوحة الرقمية هي جدة الطفل أو الطفلة في الزمن الحديث.

ترنيمة الشمس والقمر

في هذا المقال سنركز على أنشوة رائعة كانت الجدات والأمهات في الزمن الجميل حين يردن تنويم أطفالهن ينشدنها بإيقاعات سجية، لكون هذه الأنشودة مشوبة بمسحة من الحزن، لأنها تعبر عن الفقد واللوعة، وحرقة البعد عن الأحبة.

إنها أنشودة ” الشمس والقمر” أو ترنيمة “سيدي علي بنداوود” وكان مطلعها باللكنة الجبلية الشمالية ما يلي :

دايرة دويرة والشمش والقمر ….. سيدي علي بنداود  عوال  يسافر

عندو بنية  صغيرة تبكي وتبكيني ……….وتقولو يابويا  لمن تخليني

يقولها يا بنتي جيرانك جيرانك ……وتقولو يا بويا فحالك ما يكوليشي 

ويقولها ،لاه، يابنتي  ربي أحسن مني  .

تحكي هذه  الترنيمة الحزينة والتي في تقديرنا ربما لها أصول” شيعية” ،حوارا مشوقا  يدور بين أب حنون هو “سيدي علي بنداوود” وبنت بأبيها جد متعلقة وربما يرمز بها إلى فاطمة بنت الرسول “ص”، والسفر هنا كناية عن الالتحاق بالرفيق الأعلى أي الموت ،لكن الأغنية تجنبت استعمال لفظ الموت لقسوته، وعوضته بكل سلاسة جمالية بلفظة السفر.

وخلال هذا الحوار يتجلى دور الأب الحنون الذي لا يعوض في حياة ابنته ،حين سألته  قائلة “عندما ستسافر يأبي لمن ستتركني”؟

و كان جواب الأب أنه أوصى الجيران برعايتها والاهتمام بها ، ومع ذلك ردت الابنة المتعلقة بأبيها  قائلة “،يابويا،الحنين ،فحالك ، مايكوليشي” ،بمعنى أن فقدك يا أبي لا يعوض ورحليك سيترك فراغا لا يستطيع كل الجيران ملئه.

السؤال المطروح لماذا أصبحت هذه الأنشودة  تراثا شفويا خاصا بمدينة تطوان  ومنطقة بلاد جبالة بشمال المغرب؟ ومن هو “سيدي علي بنداوود” شخصية  هذه الأنشودة ؟

بداية يمكن القول أننا حين كنا نقوم بالتنقيب عن انتولوجيا هذه الأنشودة على مستوى مدينة تطوان، فإننا وجدنا البيت الأخير محذوفا، والغريب  في الأمر أننا وجدناه بأحد قبائل الريف وتحديدا بقبيلة “بني بوفراح”.

فالجدات في تلك القبيلة الريفية كانوا ينشدون “انشودة سيدي علي بنداوود” كاملة أي بإضافة البيت الشعري الأخير الذي يتضمن “يقولها يابنتي، جيرانك، جيرانكّ” ،وترد عليه الابنة بقولها “يابويا ،الحنين، فحالك، ما ،يكوليشي”.

هذا فيما يتعلق بالبيت الشعري المحذوف الذي أنقذناه في هذا المقال بفضل جريدة بريس تطوان من الانقراض، أما بخصوص شخوص الأنشودة  وخاصة شخصية سيدي “علي بنداوود”  فهو كان وليا من أولياء الله الصالحين.

وتروي الحكاية أن “سيدي علي بنداوود” يتحدر من وسط المغرب هاجر رفقة صديقه الوفي ابن منطقة جبالة “مولاي الخمار” إلى مدينة  طنجة حيث استقرا هناك ردحا من الزمن.

والدليل على مقامه بمدينة طنجة العالية، هو وجود  زاوية بحي القصبة التاريخي وتحديدا بحارة “دار البارود” ،لازالت  إلى حدود اليوم تحمل اسمه ولها العديد من الأتباع والمريدين.

وتسترسل الحكاية أن سيدي “علي بنداوود” سيفضل مغادرة مدينة طنجة والتوجه صوب بلاد جبالة ليعتكف بإحدى المناطق ،وهناك  اشتهر وذاع  صيته بين قبائل جبالة  وغمارة الكبرى والريف.

واستنادا إلى الروايات التاريخية فان “جبالة” والمقصود بهم  ساكنة الجبال والمرتفعات كانوا يحجون إلى موسم “سيدي علي بنداوود” في مجموعات وكانت كل قبيلة تأتي وهي حاملة لعلمها ولوائها الذي يميزها عن القبائل الأخرى، وكان “جبالة” يطلقون باللكنة الشمالية على موسم سيدي “علي بنداوود” اسم “الوعدة”.

وخلال “الوعدة” يذبحون 10 ثيران سمان وأعداد كبيرة من الماعز والدجاج حيث يتم إطعام كل الوافدين الذين يزورون مرقد  الولي الصالح.

وكانت “الوعدة” بمثابة موسم الحج بالنسبة للفقراء والفئات الشعبية غير القادرة على تحمل تكاليف السفر إلى بلاد الحجاز لزيارة الكعبة، وهكذا ظهرت بعض المقولات الشعبية المأثورة، تفيد أن من زار مرقد “سيدي علي بنداوود “عشرة مرات فكأنه أدى فريضة الحج ، وهنا تدخل رمزية لماذا كانوا يذبحون عشرة ثيران فقط في حين لا يحتسبون عدد الأضاحي الأخرى من الماعز والدجاج.

هذه باختصار هي حكاية  “سيدي علي بنداود ” وابنته التي كانت تنشدها الجدات والأمهات للأطفال في الزمن الجميل.

وختاما يمكن القول أن طقوس أغاني مهد الأطفال كانت تقوم بنوع من التنشئة الاجتماعية الايجابية وذلك بزرع نوع من التربية الصالحة في نفوس الأطفال الصغار ،حيث تصقل فيهم القيم الرمزية اللامادية وكانت توجههم كمنارة داخل بحر الحياة نحو مستقبل أفضل لهم وللمجتمع بصفة عامة.


شاهد أيضا