بريس تطوان
عُرف أهل تطوان منذ القدم بتشبثهم بتعاليم الدين الإسلامي وحرصهم على غرس قيمه في نفوس أبنائهم منذ الصغر. ومن بين العادات الراسخة في الذاكرة الجماعية للمدينة، تقليد تدريب الأطفال على الصيام ابتداءً من سن السابعة أو الثامنة، في أجواء احتفالية تزاوج بين البعد الديني والاجتماعي.
فكما يحظى الطفل باهتمام خاص في مناسبة الختان أو ختم القرآن، تحظى الطفلة بدورها بعناية مميزة عند صيامها لأول مرة، رغم أن الصيام لا يكون قد وجب عليها بعد. ويحرص الوالدان على تشجيعها وترغيبها في أداء الشعائر، حتى تنشأ مقتنعة بأهميتها ومتشبعة بقيمها.
“حفل الصيام”.. الطفلة عروس رمضان
يُختار عادة أحد أيام النصف الأول من شهر رمضان لإقامة ما يُعرف بـ“حفل الصيام”. وفيه تُزيَّن الطفلة كما تُزيَّن العروس، فترتدي القفطان المذهب، وتُشد رأسها بالحُلي التقليدية، وتُعطر بشراتيل الياسمين، وتتحلى بالعقود والخناقات والمدايج، فتبدو في أبهى حلة.
وعند أذان المغرب، يُعد لها سلم مزين بالأقمشة الفاخرة والورود، فتصعد درجاته في مشهد رمزي يُجسد “ارتقاءها” الروحي بأول صيام لها. ثم تُقدم لها صينية الإفطار التي تضم الحليب والتمر، وأحياناً قطعة نقدية ذهبية توضع في يدها أو فمها، في إشارة رمزية إلى البركة والخير.
وتتلقى الطفلة في هذا اليوم هدايا مالية من أفراد الأسرة والأقارب، تعبيراً عن الفخر والتشجيع.
بعد اجتماعي وتكافلي
لم يكن الاحتفال مقتصراً على الأسر الميسورة، إذ كانت بعض الشريفات محدودات الدخل يقمن بدور اجتماعي مهم، بتنظيم لقاءات للفتيات الصغيرات خلال النهار، حيث يُقدَّم لهن الشاي والحلوى، وتحضر كل واحدة منهن بمساهمة مالية رمزية دعماً لصاحبة الحفل، في صورة من صور التضامن الاجتماعي.
أما الطفل الذكر، فكان بدوره يحظى باحتفال مشابه، يرتدي فيه أفخر الثياب ويصعد السلم المزخرف قبل الإفطار، وسط أجواء من التشجيع والهدايا.
تزيين البنات في سابع المولد النبوي
ومن المناسبات الأخرى التي عُرفت فيها عادة تزيين الفتيات، الاحتفال بسابع المولد النبوي الشريف في شهر ربيع الأول، حيث كانت بعض الشريفات ينظمن أمسيات تجمع الفتيات المزينات في أجواء احتفالية، تُقدم فيها الحلويات والشاي، وتُستعاد فيها أجواء الفرح الجماعي المرتبط بذكرى ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
هذه الطقوس، وإن تراجع بعضها مع تغير أنماط الحياة، تظل شاهدا على عمق الهوية الدينية والاجتماعية لمدينة تطوان، وعلى مكانة الطفل في بنيتها الثقافية، باعتباره محوراً للتنشئة والقيم والاحتفاء الجماعي.
العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية
ذ. حسناء محمد داود
منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة
