حفريات حول التطوانية زبيدة أفيلال أرملة الشهيد امحمد أحمد بن عبود (9)

جوانب من شخصية زبيدة أفيلال:

ليس هناك أحسن من مصدر يلقي الضوء على شخصية السيدة زبيدة أفيلال من ابنها امحمد بن عبود، وشهادات من عاشرها واحتك بها من أفراد عائلتها ومن عامة الناس.

وكما يتضح من هذا العرض، فقد عاشت السيدة زبيدة أفيلال أيام سعادتها الكبيرة بجوار زوجها بالقاهرة، وأعقب ذلك صدمة مؤلمة كادت تقضي على حياتها. ولذلك اعتبر البعض أنها امرأة سيئة الحظ». لكنها لم تتزحزح عن قناعات تولدت لديها خلال حياتها، والتي يمكن تلخيصها في النقط التالية:

– أولا: الإيمان بالقدر الإلهي. لقد كانت امرأة متدينة بشدة، مؤمنة بالقدر، حلوه ومره، فكانت الحياة هي ما كتبها الله لها . لهذا السبب، وعلى الرغم من أنها عاشت حياة صعبة للغاية، فقد كانت امرأة سعيدة ومتفائلة. لقد نحتت حياتها بناء على نصيحة والدتها التي علمتها أن تقدر الحياة كهدية مقدسة. علمتها أنه يجب أن تعيش من أجل الآخرين وأنه من خلال القيام بذلك فقط، يمكنها أن تقدر حياتها الخاصة بالكامل.

– ثانيا : كانت للسيدة زبيدة أفيلال قناعة راسخة بخصوص الوطنية والاستعمار: قد ظلت مؤمنة بالمثل الوطنية التي ناضل زوجها لتحقيقها واستشهد من أجلها. كانت معادية بشدة للاستعمار وكانت تعتبر الاستعمار الإسباني من أسوء الاستعمار في العالم، واعتقدت أن فترة ما بعد الاستعمار لا يقل شراسة عن الاستعمار الكلاسيكي. وكانت تعتقد أن الاستقلال هو أعظم نعمة كان يمكن للمغرب أن يحلم بها ولطالما رددت على أسماع ابنها أن الشهيد امحمد بن عبود كان يقول لها إنهم لا يكافحون من أجل الاستقلال خلال حياتهم، ولكن حلمهم كان أن يعيش أطفالهم في بلد مستقل.

كما كان لديها حس فكاهي لم تفقده طوال حياتها. كانت تكره الظلم كيفما كان، وظلت تنظر دائما إلى المستقبل، بينما لم تنسَ ماضيها أبدًا. كان لديها طريقة خاصة للغاية في التعامل مع الناس، وخاصة مع الأطفال. كانت صارمة للغاية في تربيتها لابنها الوحيد، لأنها كانت تخشى عدم القدرة على تربيتيه بشكل صحيح كطفل بلا أب ولطالما اختلف الابن مع أمه في عدد من الأمور التي كانت موضوع نقاشهما، إلا أنها لم تكن مناقشة بين «أم استبدادية» و«ابن عاص، وإنما كأنها بمثابة المناقشة التي تطبعها الصراحة بين صديقين.

وأود أن أنهي هذه الدراسة بسؤالين يحمل أولهما دلالات وجودية وعاطفية كبيرة، وقد ورد بصيغة عنيفة في الاستجواب الذي نهلنا منه كثيرا في هذه الدراسة. يسألها السائل سؤالا أخيرا: «هل تعتبرين الوطنية مسؤولة عن معاناتك خلال 60 سنة؟» وكان جوابها يحمل من الدلالات الشيء الكثير عن وطنية هذه السيدة وقناعاتها وتضحياتها من أجل وطنها. فقد أجابت قائلة: «أنا أحب الوطنية وكل ما في الوطنية تربينا فيها في عهد الاستعمار عندما كان الحماس إيماني بها عميق ولكننا عانينا كثيرا، والحمد لله . أحب الوطنية وهذا لا يعني أنها تعجبني بمعنى آخر أقدرها وأعتز بها».

أما السؤال الثاني فذو طبيعة منهجية ومرتبط بمدى تداخل الذاتي والموضوعي في الشهادات التاريخية التي يكون فيها الشاهد هو الموضوع وبالتالي تطرح دائما قضية الموضوعية في التاريخ فقد يرى البعض أن اعتمادنا على نصوص ورسائل شخصية لأعضاء من أسرة السيدة زبيدة ،أفيلال أو على شهادة إبن السيدة زبيدة أفيلال، الدكتور امحمد بن عبود، يجعل موضوعنا يفتقد إلى الحياد والموضوعية التي هي ضالة المؤرخ والواقع أن لهذا الاعتبار جانب من الصحة، بيد أننا اعتبرنا أن الشهادات والاعترافات التي باحت بها لابنها هي بمثابة محادثة بين شاهد مباشر ومؤرخ محترف، وما علينا إلا أن نقارن تلك المعلومات والشهادات بتلك التي نجدها في العديد من الدراسات حول تاريخ الحركة الوطنية المغربية في القاهرة خلال الأربعينيات، أو تلك التي ستكشف عنها الوثائق التاريخية في المستقبل. وبانتظار ذلك لا يسعنا إلا أن نحتفظ بما استقيناه من معلومات من مصدرها المباشر، وهو السيدة زبيدة أفيلال ذاتها.

عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي

الكاتب: كتاب جماعي

الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)

بريس تطوان

يتبع…


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.