حصيلة حكومة حزب العدالة والتنمية بالمغرب بالأرقام: قراءة في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة 2012–2021
تُعدّ تجربة حزب العدالة والتنمية في قيادة الحكومة المغربية، ولا سيما خلال ولايتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، من التجارب السياسية التي يمكن تقييمها بصورة أكثر موضوعية عندما تُقرأ بعيدا عن الخطاب السياسي، وبالاستناد إلى المؤشرات الكمية الصادرة عن المؤسسات الرسمية المغربية والدولية. فقد امتدت التجربة الحكومية للحزب عمليا من أواخر سنة 2011 إلى سنة 2021، وشملت مرحلة اتسمت بإكراهات مالية واقتصادية، ثم إصلاحات هيكلية، قبل أن تنتهي بمرحلة استثنائية فرضتها جائحة كوفيد-19.
والأهمية العلمية لهذه التجربة لا تكمن في إثبات أن كل المؤشرات الإيجابية كانت نتيجة مباشرة للحزب وحده، لأن السياسات العمومية المغربية تُنجز داخل منظومة مؤسساتية متعددة الفاعلين، وإنما في رصد ما تغير خلال فترة توليه مسؤولية الحكومة، وما الإصلاحات التي تبنتها الحكومة، وما النتائج التي يمكن قياسها بالأرقام.
أولا: الإصلاح المالي وإعادة ترتيب التوازنات العمومية
دخلت حكومة العدالة والتنمية سنة 2012 في سياق اقتصادي لم يكن سهلا، فقد سجل الاقتصاد المغربي سنة 2011 نمواً قدره 5%، غير أن المالية العمومية كانت تواجه ضغطا متزايدا، كما كانت نفقات المقاصة تمثل عبئا كبيرا على الميزانية. وتُظهر بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد المغربي عرف سنة 2011 حاجة إلى تمويل بلغت نحو 64.6 مليار درهم، أي ما يقارب 8% من الناتج الداخلي الإجمالي.
وفي هذا السياق جاء إصلاح منظومة المقاصة، باعتباره واحدا من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية. وقد كان الإصلاح موضوعا لدراسة المجلس الأعلى للحسابات الذي أصدر تقريرا خاصا حول منظومة المقاصة وتشخيص اختلالاتها ومقترحات إصلاحها.
وقد اتجهت السياسة الحكومية آنذاك نحو تقليص الدعم الشامل لبعض المواد وتوجيه جزء أكبر من الموارد نحو الاستثمار والسياسات الاجتماعية، وهو خيار اقتصادي له مؤيدوه وله أيضاً كلفه الاجتماعية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تقييم التجربة.
وبلغة الأرقام، فإن الحكومة اللاحقة داخل التجربة نفسها جعلت المحافظة على التوازنات الماكرو-اقتصادية إحدى أولوياتها، فيما تُظهر وثائق الحكومة أن متوسط التضخم خلال السنوات اللاحقة ظل في مستويات منخفضة نسبيا؛ إذ بلغ المتوسط نحو 1.94% خلال 2017–2020 وفق البيانات الواردة في الحصيلة الحكومية.
ثانيا: الاستثمار العمومي… من الاعتمادات إلى التنفيذ
من أبرز المؤشرات التي تستحق الدراسة تطور حجم الاستثمار العمومي.
وفق الحصيلة الحكومية للفترة 2017–2021، ارتفع متوسط الاستثمارات السنوية للدولة إلى حوالي 73.6 مليار درهم خلال 2017–2021، مقابل 56.6 مليار درهم خلال 2012–2016، و42.9 مليار درهم خلال 2007–2011.
أي أن المتوسط السنوي للاستثمار ارتفع بحوالي 30% بين فترتي 2012–2016 و2017–2021. كما ارتفع معدل تنفيذ استثمارات الميزانية العامة من حوالي 53% سنة 2012 إلى قرابة 79% سنة 2018.
وهنا تكمن أهمية الرقم الثاني؛ فالإنفاق الاستثماري لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما أيضا بقدرة الإدارة على تحويل الاعتمادات إلى مشاريع فعلية. وبالتالي فإن الانتقال من معدل تنفيذ في حدود 53% إلى نحو 79% يمثل تغيرا مهما في كفاءة تنفيذ الاستثمار العمومي، مع ضرورة عدم اختزال ذلك في أداء حزب واحد، لأن الاستثمار العمومي يخضع كذلك لاستمرارية الدولة وبرامجها الاستراتيجية.
ثالثاً: الحماية الاجتماعية وتوسيع التغطية الصحية
من أبرز التحولات التي شهدتها الفترة موضوع الحماية الاجتماعية.
فوفق الحصيلة الحكومية الرسمية، ارتفعت نسبة السكان المستفيدين من التغطية الطبية الأساسية من حوالي 35% سنة 2012 إلى 52% سنة 2015 ثم إلى 70% سنة 2019.
وبلغة أكثر وضوحا، ارتفع عدد الأشخاص المستفيدين من أنظمة التغطية الطبية الأساسية من حوالي 10 ملايين شخص سنة 2012 إلى حوالي 21 مليوناً سنة 2019.
وهذا التحول يمثل أحد أهم المؤشرات الاجتماعية في تقييم تلك المرحلة، خصوصاً مع توسع نظام RAMED وتطور التغطية بنظام التأمين الإجباري عن المرض.
غير أن القراءة العلمية تقتضي الإشارة أيضاً إلى أن اتساع التغطية الاسمية لا يعني بالضرورة بلوغ تغطية صحية مثالية من حيث جودة الخدمات أو سرعة الولوج إليها؛ فقد سجلت دراسات أكاديمية وجود اختلالات في حكامة RAMED وتمويله وآليات تدبيره.
وهنا يظهر الفرق بين اتساع نطاق السياسة العمومية وبين نجاعة تنفيذها، وهو تمييز أساسي في أي تقييم أكاديمي.
رابعاً: دعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي
شهد قطاع التربية بدوره تعبئة مالية وبشرية مهمة.فوفق المعطيات الواردة في حصيلة الحكومة للفترة 2017–2021، ارتفع متوسط المناصب المالية السنوية المخصصة للقطاع إلى حوالي 20,160 منصباً سنوياً خلال 2017–2021، مقابل متوسط يقارب 7,036 منصباً خلال 2004–2016.
كما ارتفعت الميزانية المخصصة لمنظومة التربية والتكوين من حوالي 54 مليار درهم سنة 2016 إلى قرابة 72 مليار درهم سنة 2021، أي بزيادة تقارب 33%.
وفي مجال الدعم الاجتماعي للتمدرس، انتقلت الاعتمادات المخصصة لبرنامج تيسير من حوالي 700 مليون درهم سنة 2017 إلى 2.38 مليار درهم سنة 2020، مع توسيع نطاق الاستفادة ليشمل الجماعات الترابية في الوسطين القروي وشبه الحضري.
وهذه الأرقام تعكس انتقالا تدريجيا من تصور المدرسة باعتبارها مرفقا تعليميا فقط إلى التعامل مع كلفة التمدرس والهدر المدرسي باعتبارهما قضية اجتماعية واقتصادية.
خامساً: التشغيل… إنجازات كمية مقابل استمرار إشكالية البطالة
يُعد التشغيل أكثر الملفات التي تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ لأن الأرقام لا تسمح بتقديم صورة أحادية الاتجاه.
فوفق الحصيلة الحكومية، تم خلال الفترة 2017–2019 إحداث متوسط سنوي يتجاوز 121 ألف منصب شغل صافٍ، كما تم سنة 2019 إحداث حوالي 243 ألف منصب شغل مؤدى عنه، وهو مستوى وصفته الحكومة بأنه الأعلى منذ سنة 2008. كما استفاد حوالي 74 ألف شخص من نظام التعويض عن فقدان الشغل خلال 2016–2020، بتكلفة تجاوزت 977 مليون درهم.
لكن بيانات المندوبية السامية للتخطيط تكشف في المقابل استمرار تحديات سوق العمل. فقد بلغ معدل البطالة سنة 2021 12.3%، مقابل 11.9% سنة 2020، وبلغ عدد العاطلين حوالي 1.508 مليون شخص. كما وصل معدل البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة إلى 31.8%.
وهكذا، فإن القراءة الأكاديمية لا تقول إن الحكومة “أنهت مشكلة البطالة”، بل تقول إن المرحلة شهدت إحداثاً مهماً لمناصب الشغل في بعض السنوات، بالتزامن مع استمرار اختلالات بنيوية في سوق العمل، تفاقمت خلال الجائحة.
سادساً: إصلاح الإدارة وتحسين مناخ الأعمال
شهدت الفترة كذلك مجموعة من الإصلاحات المرتبطة بالمقاولة والاستثمار والإدارة.
وتشير الحصيلة الحكومية إلى أن المغرب انتقل في تصنيف Doing Business من المرتبة 75 سنة 2016 إلى المرتبة 53 سنة 2020، أي تحسن بـ22 مرتبة خلال أربع سنوات، وبسبع مراتب بين 2019 و2020 وحدها.
كما ارتفع عدد ملفات الاستثمار المدروسة من طرف اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار إلى حوالي 2,588 ملفا سنة 2020، بزيادة 51% مقارنة بـ2019، بينما بلغ عدد الملفات الموافق عليها 1,499 ملفا، بزيادة 24% عن السنة السابقة، وفق الحصيلة الحكومية.
غير أن هذه المؤشرات ينبغي التعامل معها بحذر؛ فتغير ترتيب Doing Business لا يعني تلقائياً أن كل جوانب مناخ الأعمال أصبحت أفضل، كما أن التصنيف نفسه يقيس مجموعة محددة من الإجراءات والمؤشرات ولا يمثل الاقتصاد بأكمله.
سابعاً: الصحة والموارد البشرية
في قطاع الصحة، تُظهر الحصيلة الحكومية للفترة 2017–2021 ارتفاعاً في متوسط المناصب المالية الجديدة المخصصة لوزارة الصحة إلى حوالي 3,800 منصب سنوياً، مقابل متوسط يقارب 1,700 منصب سنوياً خلال 2004–2016.
كما بلغ عدد المناصب المفتوحة في قطاع الصحة حوالي 5,500 منصب سنة 2021.
وفي مجال التكوين الطبي، ارتفعت القدرة السنوية للتكوين العمومي في الطب إلى حوالي 3,000 مقعد، بينما تمت تسوية الوضعية الإدارية والعلمية لنحو 12 ألف ممرض وممرضة وفق الحصيلة الحكومية.
كما شملت الإصلاحات الدوائية تخفيض أسعار حوالي 1,095 دواءً مرتفع الثمن، وإعفاء 574 دواءً من بعض الضرائب خلال الفترة 2018–2020، بينما ارتفعت نسبة استعمال الأدوية الجنيسة من حوالي 30% سنة 2012 إلى قرابة 39% لاحقاً.
ثامناً: الفقر وتحسن مستوى المعيشة
هنا يجب توخي أكبر قدر من الدقة العلمية، لأن انخفاض الفقر لا يمكن نسبته آلياً إلى حكومة بعينها.
تظهر بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن معدل الفقر المطلق انخفض وطنياً من 4.8% سنة 2014 إلى 1.7% سنة 2019، ومن 1.6% إلى 0.5% في الوسط الحضري، ومن 9.5% إلى 3.9% في الوسط القروي.
لكن المندوبية نفسها تبين أن دينامية الفقر ترتبط بالنمو وبالتوزيع وبعوامل اقتصادية واجتماعية متعددة؛ ولذلك فإن تحويل هذا الانخفاض مباشرة إلى “إنجاز حزبي” سيكون منهجياً غير دقيق.
والأصح علمياً القول إن الفترة الحكومية 2012–2021 تزامنت مع استمرار الاتجاه التنازلي للفقر حتى 2019، قبل أن تؤدي جائحة كورونا والصدمات الاقتصادية اللاحقة إلى انتكاس جزء من المكاسب الاجتماعية.
