جيل (Z) هل يدخل الانتخابات ويقطع الطريق عن خلود شيوخ الأحزاب و”فراقشية” الموسم الانتخابي؟

في ظل تسارع التغير الاجتماعي والتطور التكنولوجي ظهرت مؤشرات على تزايد الهوة بين الأجيال واتسعت الفجوة التي تفصل رؤى ومنظورات جيل شباب اليوم عن ثوابت وقناعات جيل الآباء وعن عقلية القداسة والخلود عند “شيوخ الأحزاب”. وتشير الكثير من الدراسات في العلوم السياسية عن حدوث قطائع ثقافية وسياسية وتحولات اجتماعية كبيرة أحدثت أزمة في التناوب الجيلي مما خلق فجوة متسعة بين جيل الشباب وجيل نخب الأحزاب، وفاقدين الثقة في جدوى الانخراط الحزبي والعمل السياسي، ورافضين الأبوية السياسية، ومتمردين على سلطة (الشيخ والمريد)القائمة على الاتباع والانقياد والطاعة العمياء للقادة وزعماء التنظيمات السياسية في غياب آليات ديموقراطية حقيقية لتداول السلطة داخل هذه المنظمات الحزبية مما وسّع الفجوة بين الأحزاب والمواطنين وبين الأحزاب والشباب خاصة، مما دفعهم الى الابتعاد عن العمل الحزبي ومقاطعة المشاركة الانتخابية..
الجيل الرقمي (Z) يرى أن التواصل والحوار مع “الشيوخ” وقادة الأحزاب التقليدية صعب ومستحيل، ولذا يتخذ مواقف سلبية من العملية الانتخابية ومن المشاركة السياسية رافضين خلود وهيمنة القيادات التقليدية وبيروقراطيتهم ومتوجهين نحو أشكال جديدة ومستقلة للتعبير والمشاركة السياسية والاجتماعية خارج الإطار التقليدي للأحزاب واختاروا منصات التواصل الاجتماعي (الفايسبوك وتيك توك والأنستكرام..) لإرسال رسائلهم السياسية والثقافية مما جعلهم يشكلون نماذج جديدة للسلطة والتأثير .. وسيكون من الخطأ القول أنه لم يعد هناك شباب مغربي مقتنع بقضايا المجتمع والأنسان لكن حتما هناك جزء مهم من هذا الشباب لهم قناعات سياسية جديدة ولهم انشغالات وحاجيات اجتماعية وثقافية وبيئية يدافعون عنها في منصات التواصل الاجتماعي بمختلف تلاوينها ويرددون شعاراتها في كل التظاهرات والتجمعات والمسيرات الاحتجاجية من قبيل اصلاح التعليم والصحة وتوفير الشغل ومحاربة الفساد.. هو جيل جديد اكتسب وعيا سياسيا جديدا متحررا من قيود المجتمع ومؤسساته لكنه لم يفقد الايمان في السياسة وانما في السياسيين.
عندما نتحدث عن الانتخابات غالبا ما نستحضر تلك الصور النمطية المعتادة: ناخبون ومرشحون من الأحزاب يشاركون في الحملات الانتخابية، يصوتون ويحتفظون بولائهم لتنظيماتهم الحزبية أو لغيرها، أما الشباب الرافض اليائس والمتمرد على الأحزاب وعلى العمل السياسي فيختارون مقاطعة صناديق الاقتراع، لكن ثمة فئة كبيرة من هذا الجيل بدأ يطل بحضوره ونفوذه ورأيه في المشهد السياسي، وهو جيل ولد مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة ويعرف باسم(الجيل Z) وهم شباب ولدوا وترعرعوا وسط انفتاح تكنولوجي غير مسبوق، ونشأوا وسط الهواتف الذكية والأنترنيت وانغمسوا في وسائل التواصل الاجتماعي وعايشوا وشاركوا في احتجاجات الشارع ضد الفساد السياسي والإداري وقد يكونون الرقم الصعب في أي معادلة انتخابية.
(الجيل Z) لا يشبهون جيل آبائهم لأنهم لم يتربوا على خطاب الأحزاب القائمة ولا على الايديولوجيات العقائدية القديمة.. هم يرفضون نمط العمل الحزبي التقليدي، ويرفضون أسلوب الأوامر والسلطة العمودية في التنظيمات الحزبية، وفي المقابل يعتبرون التواصل الفوري والتعامل الرقمي جزءا لا يتجزأ من تكوينهم الاجتماعي والثقافي.. هو جيل “الترند”Trend لا يثق بسهولة بأي سياسي يبتسم أمام الكاميرا ويطلق وعودا زاهية. هو جيل مشاكس معاند تسمعهم أو تقرأ لهم تدوينات حين يطلقون ردودهم في منصات ومواقع التواصل الاجتماعي فيفضحون ويتهمون السّاسة وقادة الأحزاب بالكذب والبهتان (هو الجيل القادر على أن يكشف كذب السياسيين من خلال البحث على غوغل Google وخلال ثوان معدودة .. فلماذا يصدقون وعود الساسة والأحزاب الانتخابية؟). هو جيل يرفض كل شيء ويتمرد على المجتمع وعلى قيمه وأحزابه ومؤسساته..
هذا هو ما يربك الأحزاب التقليدية التي اعتادت على جمهور طيع منقاد داخل التنظيم الحزبي دونما انتقاد للزعيم والقائد، ويمكن التأثير فيه عبر الخطاب المذهبي والأخلاقي والحماسي والعرقي والقومي لكن مع الجيل (Z) اللعبة أكثر تعقيدا فهؤلاء يبحثون عن الإنجاز الملموس وعن الإصلاح الواقعي وعن العدالة الاجتماعية والديموقراطية وعن دولة الحق والقانون لا عن الشعارات والعواطف والإيحاءات ..
قد يقول قائل أن نسبة المشاركة الانتخابية بين الشباب متدنية لكن علينا أن نفهم السبب في فقدان هذا الشباب الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة وفي النخب التقليدية وشعورهم بالإحباط بأن أصواتهم لا تحدث فرقا(ماذا زرعنا للشباب حتى نجني ثقتهم؟) ومع ذلك فان هذا الجيل قادر على أن يقلب الطاولة على الأحزاب عبر صندوق الاقتراع ومن خلال شبكات التواصل الاجتماعي.
جيل( Z) لا يقرأ الصحف الحزبية ولا يتصفح الجرائد الرسمية بقدر ما يتابع الأحداث المباشرة على (الانستيغرام) وما شابه ويصنع خطابه على (الفايس- بوك) أو على (التويتر) أو(تيك توك) وربما يظن البعض أن هذه المنصات هي مجرد وسائل ترفيه لكنها في الحقيقة فضاءات سياسية بامتياز يتشكل فيها الرأي العام وتختبر فيها مصداقية الأحزاب بل تحولت هذه المنصات الى فضاءات للمحاسبة الشعبية وأحيانا لتصفية الحسابات السياسية والحزبية.. تجد هذا الجيل الرقمي يشدد في فضح ونقد الأحزاب عبر نشر التسريبات الصوتية ومقاطع فيديو أو تسجيلات مسربة تكشف كواليس الصراعات الداخلية داخل التنظيمات السياسية أو بين الأحزاب أو فضح صفقات الفساد.. واطلاق وسومات(هاشتاغات) ضد زعماء الأحزاب أو ضد الفاسدين واستخدام الكوميديا السوداء والسخرية السياسية لفضح السياسيين وخطابهم..
فهل ستتمكن القوى السياسية من استيعاب هذا التحول؟ أم أنها ستظل متمسكة بنظامها وأسلوبها القديم؟
جيل اليوم يريد جامعة أفضل، ويريد فرصة عمل كريمة، ويريد انترنيت سريع، ويريد مدينة ذكية تتوفر فيها كافة احتياجاته اليومية، والوصول المريح الى جميع الخدمات الأساسية.. ويريد أن يمشي فيها بلا خوف ولا يأس..
المطلوب من الأحزاب الوطنية الجادة والحركات الاجتماعية الفاعلة أن تفهم لغة هذا الجيل التي لا تشبه لغة آبائهم وقادتهم.. انها لغة سريعة شفافة جريئة، وهم ليسوا نسخة لآبائهم، وليسوا مريدين منقادين لشيوخ الأحزاب، ولا يمكنهم أن يقبلوا نفس الأساليب المتبعة في الانتخابات على أنهم مجرد صوت قابل للبيع أو الولاء.. لا يمكن أن نشتريهم ببطانيات أو قفة مواد غذائية أو ورقة نقدية أو وعد بالعمل.. انهم يملكون وعيا نقديا وان كانوا يعانون بفعل تعقد الأوضاع الاجتماعية وفشل منظومة التربية من تشتت ومن نزعة اليأس السريع وبدون تنظيم سياسي حديث يترجم مطالبهم الى برامج واقعية قد تبقى طاقتهم مجرد غضب رقمي لا يتجاوز حدود الشاشة الزرقاء..
اذن فالسؤال لم يعد (هل سيصوت الجيل “Z “؟) بل (هل سيبقى السياسيون قادرين على الاستمرار بأساليبهم القديمة في عصر ثورة المعلوميات؟)
جيل(Z) يمتلك امكانيات قوية لخلخلة المشهد السياسي التقليدي وارباك خطط شيوخ الأحزاب وسماسرة الانتخابات، يملك سلاح الفضاء الرقمي القادر على التعبئة السريعة وصناعة الرأي العام.. يملك وعيا نقديا حادا، لا تستهويه الايديولوجيات القديمة ولا الوعود الانتخابية، ولا تغريه الأساليب الفاسدة والمال السياسي الفاسد ولقد أثبت قدرته في الضغط عبر الشارع وعبر الحركات الشبابية العفوية.. وفرض قضايا ملموسة كالتعليم والصحة والتشغيل على الأجندة السياسية لكل الأحزاب والحكومة.. وهم قادرون على سد الطريق على شيوخ الأحزاب بالاستمرار في القيادة أو الاستمرار في افساد لعبة الانتخابات.. وقادرون على مواجهة ومحاربة “فراقشية” الفساد والانتخابات.. شبابنا متحمسون ومتمسكون بالمستقبل يرون أن الأمل يظل قائما في التجارب الديموقراطية ما دامت عجلة الانتخابات دائرة. وقد نشهد قريبا تغييرا ايجابيا من قوى الشباب والنساء والفاعلين الحقيقيين الذين يحملون مشاريع حقيقية لا شعارات فقط تلبي تطلعات الوطن والمواطن وتنبذ الفساد ولا تؤمن بالمستحيل؟؟؟
فهل ستكون الانتخابات الحالية بداية قطع الطريق على خلود “شيوخ” الأحزاب و”فراقشية” الانتخابات؟


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.