"جنون ذاكرة" للكاتب عثمان بن الطيب - بريس تطوان - أخبار تطوان

“جنون ذاكرة” للكاتب عثمان بن الطيب

وراء جبال شفشاون الفاتنة.. “وما خفي أعظم” إنها منجزه السردي الرابع بعد روايته “الوريثة” ومجموعة قصصية “صدى محبرة”، وديوان زجلي “حروف تلالي”. سبق أن بلغت مربع القائمة القصيرة في مسابقة جائزة “الرافدين للكتاب الأول”.

رواية ضاجة بالحركة ابتداء من عنوانها “جنون ذاكرة”. فالأحداث داخل الذاكرة بحر هائج مائج، تتلاطم أمواجه على صخر شواطئها، مد وجزر، جن جنونها ففقدت توازنها. أحداث تشيب لهولها الولدان، زادته لوحة الغلاف قتامة بألوانها الداكنة، وبمركبه الضارب في القدم، تكسرت صاريته وسقط شراعه، يتملك ركابه الجزع والهلع في اتجاه المجهول.
تتماهى الصورة مع اضطراب الذاكرة المهول. في ص 167 نجد محمد بطل الرواية يقول بمرارة “الحقيقة أن ما سمعته لم يفاجئني كثيرا. فمن كثرة ما مررت منه صرت أتوقع أي شيء وأصدق أي شيء قد يحدث. ثم أتحاشى بعدها أن أحكي أي شيء مما حدث هنا لأولئك القابعين بالمدينة حتى لا يظنوني مبالغا أو صاحب خيال سينمائي”، في سياق حديثه عن أحد الأساتذة تاه بغابة معروفة عند الأساتذة بـ “مثلث برمودة” أدركه الليل فاضطر ليعتصم بعلو شجرة قضى بها ليلته يتملكه الرعب والخوف من فتك الذئاب والخنازير.

“من سره التعليم ساءه التعيين”

الكاتب يوثق لمحطة زمنية بعينها “حين عينت مدرسا” ومكانية “وراء جبال شفشاون، وما أدراك ما التعيين يومذاك، لما كان رائجا بأنه نوع من الانتقام، أو وسيلة لغسل الأدمغة للتخلي عما كان يحلم به خريجو الجامعات من شعارات ثورية، يوم كانت الجامعات قلاعا للنضال ومشتلا للمعارضة. الأمر كان أكثر صعوبة على أبناء الحواضر بما أن أبناء القرى، “من يولد في الزوابع لا يخشى الرياح”. إنهم معتادون على حياة البادية كالسقي من العيون والآبار وركوب البغال والحمير والإضاءة بالأدوات العتيقة والظلام والوحل والعيش على الكفاف. فكم هم الذين لما وجدوا أنفسهم في عين العاصفة عند تعيينهم بإحدى المناطق النائية “فقدوا عقولهم بسبب الضغوط. أحدهم قاده الضغط إلى إدمان الحشيش ثم الجنون” (ص18)، “من سره التعليم ساءه التعيين” كانت محفورة على حائط إحدى الحجرات بأحد مراكز التكوين، يوم كانت التعيينات “بالمقلاع” على الصعيد الوطني. فقد تتلقى تكوينك بأقصى الشمال وتجد نفسك معينا بأقصى الجنوب، أو من السهول المنبسطة إلى أعالي جبال توبقال أو وراء جبال شفشاون كما الحال بالنسبة لمحمد بطل رواية “جنون ذاكرة”.

اليوم تغير الشعار ليضحى “من سره التعليم ساءه التعاقد والتقاعد”. فالتعيينات على كل حال خف رزؤها إذ أضحت جهوية أو إقليمية. ومع توفر وسائل النقل وكهربة القرى وانتشار الهواتف المحمولة، لم تعد المعاناة بالشكل الذي برع الكاتب في وصف تفاصيله المريرة.

“امتطاء السحاب للوصول إلى مقر العمل”

فالرواية “الذاكراتية” هاته كما بات يصطلح عليها، من مبتداها إلى منتهاها توثق لما عاشه آلاف الخريجين من مواجع وفواجع خلال تعيينهم، ابتداء من أول يوم مع التنقل إلى مقر عملهم. تفنن الكاتب، على مرارتها، في التعبير عنها أبلغ تعبير، لما أقر بأن الوصول إلى “إمقران” منفى المنافي كان بامتطاء السحاب “لم نتوقع أبدا أن نضطر لتقاسم الطرق والغابات مع المجرمين والمهربين وأن نتحمل مشقة السير كل هذه المسافة” (ص 23). فهل هناك أكثر قساوة أن لا يجد المدرس من يرافق ليدله على الطريق غير “الحرايفية” “إنهم أعرف بالمسالك الآمنة والمختصرة” (ص37).

وبأسلوب ساخر يعبر الكاتب عن المماشي التي سلكوها “يذكرني بالعصور القديمة في الأفلام التاريخية. لن أستغرب لو مرت من أمامنا قوافل “أبي سفيان” الآن، لن يدهشني أن أجد جيوش مسيلمة الكذاب مرابطة خلف الجبل. لا شيء يدل على أننا في بداية الألفية الثالثة. لا شيء البتة” (ص 24). يبلغ سيل السخط زباه ليعلنها مدوية “تبا لمن يكسر من كاد أن يكون رسولا. سحقا لمن يهينه أو يحط من كرامته. ألم يكن الأولى أن يوفروا لنا النقل… إنه أضعف الإيمان لو يعلمون” (ص 30).

سكنيات أم زنازين لا ينقصها غير سجانين:

فالرواية حافلة بصنوف المعاناة حتى ليشك القارئ ما إن كان هناك تعليم في خضمها أم لا. فعن أي تعليم يمكن الحديث عنه، لما لا يجد المدرس عند قضاء حاجته غير “أكياس بلاستيكية وبرميل ماء للتطهر.. ثم نخرج من الباب لنمارس رمي الجلة.. فقد حققت رقما قياسيا ذاك الصباح.. الأمر مقرف لكن لا حياء في الواقع” (ص 45). وللمدرسين حكايات أغرب من الخيال مع سكنياتهم. لم يجد الكاتب ما يشبه به إحداها غير زنزانة “لا ينقص المشهد سوى سجان لنكون أمام سجن حقيقي. فالغرفة تشبه الزنزانات إلى حد بعيد” (ص 120). لم يتردد كاتب آخر، السعيد الدريوش في “يوميات معلم في الأرياف” ليصف السكن الوظيفي بأنه إلى إسطبل أو زريبة أقرب.. على العموم هو صالح للخيل والبغال والحمر الأهلية إلا للمعلم الذي كاد أن يكون عتروسا”. الأكثر فداحة لما لا يجد المدرسون غير حجرة الدرس يفصلون أحد أركانها عن السبورة بحاجز من بلاستيك، فيكون مستقرهم فيه منامهم ومأكلهم ولهم فيه مآرب أخرى “لا يمكنك أبدا أن تطلب من الإنسان أن يكون إنسانا وقد حرمته من كرامته وأبسط حقوقه كإنسان. لكن للأسف مؤكد أن وزارة التربية تجهل هذه الحكمة تماما. ليت أحدا يلقنها إياها” (ص41).

“ليس من رأى كمن سمع”

أعتقد جازما أنه لا مناص للمتخصص في دراسة حركية المجتمعات بالأوساط القروية من الاعتماد على المدرسين وعلى مثل هذه الكتابات. إنهم الأقدر بحكم المعايشة في أفراحهم وأتراحهم، والتعرف على عقلياتهم، ومستوى تفكيرهم واهتماماتهم ومدى استحكام مجموعة من العادات والتقاليد إلى يوم الناس هذا، لا تزال هي الفيصل في أخص خصوصياتهم، كحديثهم عن الجنية التي تمشط شعرها قرب مجرى الماء الصغير، أو البقرة السوداء التي تظهر للعابرين ليلا وغيرها كثير مما عرضته الرواية بالتفصيل كطريقة نفض القنب الهندي والموقف من زراعته والموقف من قطاع الصحة، والقضاء. لكن تبقى بؤرة البؤر، هي المسألة التعليمية. خصها الكاتب بوقفات متفرقة على امتداد صفحاتها، تفاوتت بين وصف واقع الحجرات المهترئة الآيلة للسقوط، ونقد عقليات بعض رجال التربية مدرسين ومديرين، وعلاقة الآباء بتمدرس أبنائهم، والمقررات “طويلة جرداء لا زرع فيها مثل صحراء قاحلة” (ص 58).

الكاتب بحكم اشتغاله بالتدريس، إنه ابن الدار يعرف جيدا ما يموج به قاع خابية التعليم. فكانت تعقيباته على لسان شخوص روايته موجعة. إنها ليست من نوع التصوير بالدرون من فوق. إنه يجترح الأحداث من الواقع المزري بالوسط القروي، هناك وراء الجبال. إنه يتساءل مستنكرا ودون انتظار جواب “هل نعي جوهره؟ هل نعرف قيمته الرسالية؟ لا أبدا.. الغالبية لا يفعلون من أعلى الهرم إلى أسفله. بداية بوزير قذفت به السياسة إلى الكرسي لأنه سياسي بارع… يجلس فوق كرسي ويسير قطاعا ليس من اختصاصه.. قطاع التربية يحتاج تربويا ناجحا، لا سياسيا ناجحا” (ص 79) ليضع أصبعه على الجرح العميق.

الشيء بالشيء يذكر، سئل مرة وزير عن قفزة هوائية قذفت به من الفلاحة إلى التعليم على إثر تعديل حكومي، فكان جوابه، وبدون أن يرف له جفن، بأن السياسي يجب أن يكون مستعدا لتحمل أية حقيبة.

وكانت أقوى اللحظات لما بلغ التذمر مبلغه ليعلنها مدوية قائلا بتشبيه بليغ “منظومة تعليم هشة أقصيت من حسابات الفاسدين، ففسد أكلها، مثل أرض حاد عنها مجرى الماء فصارت بورا” (ص 158). تتملك بطل الرواية الغصة والحنق ليوجه سهام النقد إلى الدولة نفسها، “فلا أثر للدولة لا شيء يدل على وجودها سوى أقسام آيلة للسقوط وأستاذ تفننوا كثيرا في زرع الشوك في طريقه فوصلهم شظايا إنسان. شظاياه التي تناثرت أكثر وأكثر عندما وجد نفسه مطالبا لتدريس عشرات المواد واستكمال مقررات طويلة جرداء لا زرع فيها مثل صحراء قاحلة… والمقابل دراهم معدودات” (ص 58).

لا تعليم بدون كرامة رجل التعليم:

ماذا ينتظر من مدرس من يوم أن يحط رجليه في أحد المداشر فعليه أن يحسب كلامه ومواقفه جيدا. تلك كانت وصية سابقي محمد بطل الرواية، لأن إعلان القناعات تكلفتها باهظة الثمن، تورث الجوع والعطش. “إن الأمر يحتاج كياسة سياسة في التعامل طالبا مني عدم التحدث في الموضوع مع سكان المدشر” (ص 54) إنها سياسة حتى الفقهاء “يسكتون عن الأمر حفاظا عليها (لقمة العيش) فلو حرموا الكيف من فوق المنابر لطردوا” (ص 53) في سياق حديث سي قاسم فقيه الدشر عن تحليل زراعتها أو تحريمه. فقد بلغ بالجامبيرو أن “حرض الناس على عدم إرسال أبنائهم للمدرسة ففعلوا. ثم منع عنهم الخبز والسقاية من بئر المسجد. كل هذا لأنه علم أن أحدهم يحرم زراعة القنب الهندي” (ص 96).

معاناة من نوع آخر. ما أثقلها على النفس لما يفرض عليك سماع ما لا ترغب في سماعه، أو مجالسة من لا ترغب مجالسته. “همست له مداعبا بأن المشي لعشر ساعات أكرم له من كل هذا الكذب والنفاق، فأجابني بأنه يضاعف جرعة الإعجاب بما يسمع ليكون كافيا لضمان مكان لعادل أيضا” (ص 108). مكان بجوار السائق عند التنقل وما أدراك ما جوار السائق. معاناة لا تنتهي، خبرها عند من اكتوى بنارها من أمثال الأستاذ حسن “أتعلم يا “محمد” كدت أجن بالفعل في السنة الماضية. المشاكل حاوطتني من كل جهة” (ص 63)، إذ فقد زوجته وابنته بسبب اشتغاله في هذه الظروف وراء الجبال، وحتى وظيفته كانت في كف عفريت، إذ رفعت عليه زوجته دعوى “كسبتها بسرعة بمساعدة خالها المحامي الذي يمتلك مفاتيح دواليب المحكمة” (ص 63). ترى لو كانت الظروف مواتية، هل يفكر أحد المدرسين في ترك جمل وظيفته بما حمل، ليلتحق بزوجته اليابانية “ينتظر فقط استكمال أوراق الإقامة ليسافر الاستقرار رفقة زوجه في ليفربول” (ص 95) قساوة ظروف الاشتغال المحيطة “أخشى أن هذا الكم الهائل من الجنون المحيط بي قد يجعل مني مجنونا كبيرا” (ص 144) قالها محمد لما وجد نفسه، بسبب حاجته إلى مداهنة أهل الدشر من أجل خبزهم ومائهم ووسائل نقلهم، في خضم إحدى أخطر الجرائم يجرمها القانون تتعلق بتهريب البشر والمخدرات، بعدما تردد في البداية إلى أن وافق بدعم من زميله عبد السلام الذي قال له مزينا له فعله “أنت تخدمهم بموافقتك تنقذهم من الضياع” (ص 110).

خلاصات:

الرواية بلغتها الشاعرية الشفيفة، وبما نحته الكاتب من صور بلاغية بديعة، وبتوظيفه لكم هائل من الأمثال، “المنحوس منحوس ولو علقوا على رأسه فانوس” (ص 65)، وإحالاتها الغزيرة من تراثنا العربي الإسلامي، كقول سلطان العارفين جلال الدين الرومي “يدخلك الضياء من حيث تكمن جراحك” (ص 152)، أو التراث الأعجمي كرواية “زوربا اليوناني” أو مقولة الفيلسوف الألماني نيتشه “أحمق من لا يزال يتعثر في الأحجار والبشر” (ص 58) كانت حافلة بمجموعة من الإشارات العميقة والمواقف القوية؛

– إنها تمثل صرخة مدوية في وجه الوزارة المسئولة على القطاع. فعن أية مردودية يمكن الحديث عنها، وهي لا توفر للمدرس الحدود الدنيا من شروط الكرامة ليؤدي مهمته النبيلة على أكمل وجه بارتياح؟

– إنها إدانة للتهميش الذي لا تزال تعيشه مثل هذه المناطق، “الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود”. “أخيرا شارع وعواميد كهرباء وشاحنات ومقهى أيضا” (ص 86) بعد معاناة مميتة، “فقد اندفع (حسن) نحو أقرب عمود كهربائي وحضنه وقبله بقوة.. حذوت حذوه” (ص 87) اكتملت سعادته لما رأى هاتفا بأحد جدران المقهى “بشرى كادت تطيرني فرحا” (ص 88)، “وحتى أجور الفقهاء يتحملها الناس.. لا يصلنا هنا من وزارة الأوقاف سوى خطب الجمعة. وحتى الخطب لم تسلم من رفع اليد تصل بدون شكل” (ص 52).

– وتبقى أقوى المحطات في الرواية أسى وحسرة، لما يكون المدرس شاهدا على مأتم وأد المواهب في مختلف العلوم والفنون لدى أطفال هذه المناطق وراء الجبال “لكنهم عديمو الحظ فكيف تنمو وتصل مواهب من يعجز هو نفسه حتى عن الوصول إلى باب برد؟…

حتى وإن كتبنا التقارير عن ذلك لن يجدوا الاهتمام والمتابعة” (ص 164)، وكان تعقيب الكاتب على لسان محمد مفعما بالمرارة “ما معنى أن يكون هناك مثلا أفضل عازف للكمان في العالم؟ أكيد أن أفضل عازف في العالم ليس هو الأفضل على الإطلاق. بل هو أفضل واحد حصل على كمان وعزف عليه ثم وجد من يسمعه ويوصل عزفه إلى الناس” (164-165).

– الرواية طافحة بالمواقف الجريئة من قضايا مختلفة كالموقف من النقابات. إنها دعوة على لسان أحد المناضلين للانخراط فيها وتثويرها من الداخل على درب انتزاعها من يد الانتهازيين والوصوليين. “لماذا نترك لهم الأمر ونشتكي إذن؟” (ص 91)، والإشارة إلى سنوات

الجمر “أيام كان الاختفاء القسري يحوم فوق كل رأس برز منها اللسان أو نبست منها الشفاه بما لا يلذ” (ص 70)، والموقف من الشهادات الجامعية لما لم تنفع أحد حامليها في أي شيء طوال ثلاث سنوات. “لم ينفعه سوى أن يقبل بالموجود” (ص 124). والموجود كان العمل بمصانع النسيج ثم الالتحاق بتهريب البضائع، وأخيرا الانزواء في ركن مقهى ينتظر الهجرة.

– من لطف الأقدار به أنه استفاق من غفوته بأقل الخسائر “كل الأمور التي تورطت فيها تطاردني، تخبرني كل حين أنني ما عدت أنا، أنني فقدت نفسي عندما اختارت السراب في درب ليس دربي، فدخلت ما لا أنتمي إليه ولا تطيقه روحي” (ص 150).


شاهد أيضا